فهرس الكتاب

الصفحة 3501 من 27345

فلننظر كيف يُعلّمنا الإِسلام حقيقة الجمال، نعرضه هنا بصورة موجزة سريعة، حيث نجد التفصيلات كل التفصيلات وافية في منهاج الله:

فعن عبد الله بن مسعود عن رسول صلى الله عليه وسلم قال:

( إن الله جميل يحبّ الجمال )

[ أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما ] (1)

وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

( إن الله جميل يحبّ الجمال ويحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس )

[ أخرجه البيهقي ] (2)

وعن جابر بن عبد الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

( إن الله جميل يحبّ الجمال ويحبُّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها )

[ أخرجه الطبرانيّ في الأوسط ] (3)

وعن طلحة بن عبيد الله أََيضًا:

( إِن الله تعالى جواد يُحبُّ الجودَ ويحبُّ معاليَ الأَخلاق ويكره سفسافها )

[ أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان ] (4)

والروايات كلها صحيحة. وبتكاملها تضيء لنا سبيل الجمال في الإِسلام: إن الله تعالى جميل، يحب الجمال، يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده، يحبُّ معالي الأخلاق، إن الله جواد، يحبُّ الجود. وتمتدّ سبيل الجمال في الإِسلام مع الآيات والأحاديث، حتى يكون الجمال هو ما يُحبُّه الله والقبح هو ما يبغضه الله.

ويمتدُّّ الجمال حتى ينتشر في الكون كله مشهدِه وغيبه. ففي الغيب جمال الجنة الذي يصفه لنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

( قال الله عزّ وجلّ: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فاقرؤوا إِن شئتم: فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون )

[ رواه الشيخان ] (5)

وتمتدُّ الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تصف الجنة الوصف الرائع، وتصف جمالها الأخاذ.

ثم يمتد الجمال في التصور الإِسلامي إِلى عالم المشهد. فتصف الآيات والأحاديث آيات الله في الكون الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، فأتقن كلّ شيء خلقه:

(( وَتَرى الْجِبَالَ تحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِي تمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) )

[ النمل:88]

ويمتدّ الجمال آيات بَينات في كلّ ما خلق الله إتقانًا وإحسانًا وإِعجازًا. ثمّ يمتدّ إِلى الإنسان:

(( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِليِنَ. إِلاَّ الَّذيِنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالَحِاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مْمُنونٍ ) )

[ التين: 4ـ 6 ]

ويمتدُّ الجمال في الإنسان المؤمن. فإذا مصدر الجمال فيه إِيمانه. فتراه في جمال الفطرة التي فطره الله عليها، ثمّ في نفس الإِنسان المؤمن وخُلُقه، ثم في عمله، ثم في كلمته وبيانه: صبر جميل، صفح جميل، سراح جميل، هجر جميل، وغير ذلك.

هكذا يمتد الجمال في تصّور المؤمن حتى إنه يعيش الجمال الحقَّ في أمره كله، على قدر إيمانه واتصاله بالكون وخالق الكون رب العالمين، يعيشه حياته كلها.

ويمتد الجمال إلى الكلمة والبيان، ليكون الأدب في الإسلام هو الأدب الملتزم التزام صدق ويقين، والتزام لغة ودين، والتزام شكل ومضمون.

ويصبح الأدب الملتزم بالإِسلام ثمرة تفاعل بين نوعين من الخصائص: الخصائص الإيمانيّة والخصائص الفنية. فلا يمكن الاستغناء أو إيثار واحدة على الأخرى. فلا بد من الخصائص الفنيّة لتجعل من الكلمة أدبًا، ولابد من الخصائص الإيمانيّة ليكون الأدب ملتزمًا بالإِسلام. وإن كان لا بدّ من التضحية، ولا داعي للتضحية هنا، فنضحِّي بكل شيء من أجل الإِسلام والإِيمان وطاعة الله. والكلمة التي لا نعبد الله بها لسنا بحاجة لها فإنّها زُخرف عارض أو فتنة مفسدة.

إنَّ أهم معنى من معاني الالتزام في الأدب أن يعرف الأديب حقيقة"العبادة"التي خلقه الله لها، و"الأمانة"التي حملها، و"الخلافة"التي جُعِلت له، و"العِمارة"التي أُمِر بها. وإِن محور ذلك كله هو ممارسة منهاج الله ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربيّة ـ في واقع الحياة ممارسة إِيمانيّة تستكمل شروط العبادة والأمانة. إنّها مسؤولية كلّ مسلم قدر وسعه وطاقته الصادقة.

فالأديب المؤمن الصادق في إيمانه لا يمكن أن يطلق كلمة لا يعبد الله بها، لا نثرًا ولا شعرًا، ليكون من سمات هذا الكلام أنه طيّب يحبه الله، ويهدي عباده المؤمنين إِليه.

( وَهُدُوا إِلى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِرَاطِ الْحَمِيدِ )

[ الحج: 24]

فيصبح الأدب الملتزم بالإِسلام بالنسبة للأديب المسلم عبادة لله وأداء أمانةٍ وقيامًا بالخلافة التي أُنيطتْ به ليُسَاهِمَ من خلال ذلك كلِّه بعمارة الأَرض بحضارة الإِيمان، وليكون كلّه على صراط مستقيم يمضي به إلى الهدف الأكبر والأسمى ـ الجنة ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت