شتَّان بين أَديب يَنْظُر إِلى الدنيا وقلبه معلَّق بها، وهي هدفه الحقيقيّ سواءً أعلنه أم أخفاه، وبين أديب يطرق أبواب الجنة وقلبه معلّق بالآخرة يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه. هل يُعقَل أَن يكون الأدب الذي يخرج من ذاك الأديب هو نفس الذي يخرج من هذا ؟ !
في العالم العَلماني والوثني يكاد الجمال أن يكون جمال الشهوة ومتعتها الحرام. جسد المرأة العاري يمثل منذ أيام اليونان مصدر الجمال، وأساطير عشق"الآلهة"وما يدور معه من غضب بينهم وبين البشر، يُمثِّل صراعًا وأحداثًا كلها نسيج الخيال. منذ ذلك الوقت عبَّر اليونانيون والرومان عن تصورهم للجمال بالتماثيل الحجرية للرجل والمرأة و"الآلهة"، تماثيل تكشف العورات كشفًا يزيدها قُبحًا وفسادًا. وامتدّ هذا التصور في الفكر الغربي إِلى ميادين الأدب والرسم، وامتدّ كذلك إلى بقاع مختلفة من الأرض مع المنحرفين في أجواء الفتنة والعَلمانيّة وأمثالها.
نهجان مختلفان كل الاختلاف في تصوّر الجمال وتصّور الأَدب وممارسة ذلك في واقع الحياة. إنهما نهجان: نهج الإِسلام والإِيمان والتوحيد، ونهج الوثنيّة والشرك والانحراف تحت أي اسم من الأسماء والمصطلحات ورد ذلك.
نهجان قد ميّز الرحمن بينهما
نهج الضلالة ونهج الحقِّ والرشدِ
لا يجمع الله نهج المؤمنين على
نهج الفساد ولا صدقًا على فَنَدِ
لذلك تجد أن النهج الإِيماني له مصطلحاته الخاصة المتميّزة، واستعمالاته الخاصة المتميّزة كذلك. فبالنسبة لمصطلح"الجمال"وما يرتبط به نجد أن منهاج الله يَرِد فيه أربع مصطلحات، لكل منها ظِلاله وإيحاءاته الخاصة واستعماله الخاص. فكلمة"الجمال"لا تَرِد في منهاج إلا لتدلَّ على الحسن الطاهر النظيف الذي يحبُّه الله كما ورد معنا قبل قليل. وهنالك كلمة"الفتنة"تُعبِّر عما هو غير صَالح ولا طاهر ولا نظيف، وعمَّا يُغْري بالفساد ويدفع إلى الشرِّ والضلال. فالمرأة التي منحها الله شكلًا محبّبًا مؤثرًا في النفس نقول عنها"جميلة"ما دامت زوجة أو أمًا أو أختًا ملتزمة بالطهر والصلاح الذي يُحبُّه الله، ذلك لأن الله جميل يحبُّ الجمال. وأَمّا إن كانت امرأة غير صالحة، فنقول إنها"فتنة"لأنها وقعت في الشر ودفعت إليه. هذا هو التصوّر الإِيماني للجمال والفتنة. وهناك لفظة أُخرى عامة لكل ما يُعطي بهجة وسرورًا. إنها كلمة"الزينة".
( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )
[ الكهف: 7]
فالزينة تنقسم قسمين: إما"جمال"و إما"فتنة". وانظر في هذه الآية الكريمة:
( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالَحِاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا )
[ الكهف: 46 ]
ثم انظر في هذه الآية الكريمة أيضًا:
( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )
[ التغابن:15]
ثم انظر في الأحاديث السابقة التي ورد فيها:
( إن الله جميل يحب الجمال... )
وانظر كذلك في الآية الكريمة:
( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحيِنَ تَسْرَحُونَ )
[ النحل: 5، 6 ]
وكلمة"الحُسن"تنزل في معناها وظلالها منزلة"الجمال"وحتى لا يكون الحسن والجمال إلا في الخير والصلاح، سواءً أكان ذلك في الشكل والخلقة أم في الكلمة أم في العمل أم في اللباس وأيّ ميدان آخر. فانظر في هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة:
( الحمْدُ للهِ الذَّي أَنزلَ عَلَى عَبْدهِ الْكتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا. قَيّمًا لّيِنُذر بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبشّر الْمؤُمِنينَ الّذِيِنَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسنًَا )
[ الكهف: 1، 2]
( خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ بِالحْقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأحْسَنَ صُوَرَكُم وَإلَيْهِ الْمصِيرُ )
[ التغابن: 3 ]
( فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَة وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين )
[ آل عمران: 148 ]
وكذلك: ( الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ )
[ السجدة: 7]
وعن عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المؤمن ليدرك بحسن الخلُق درجة القائم الصائم )
[ أخرجه أبو داود وابن ماجه ] (6)
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
( إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحدَّ أحدُكم شفرته، وليُرح ذبيحته )
[ أخرجه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة ] (8)
وعن عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
( إن الله يُحبُّ إذا عمل أحدُكم عملًا أن يُتقنه )