[ أخرجه البيهقي في شعب الإِيمان ] (9)
وهكذا نرى أن"الجمال"و"الحسن"لفظتان اختصَّتا بما هو صالح طيّب يحبه الله سبحانه وتعالى، وأن الفتنة لفظة اختَّصت بما هو شرٌّ خبيث، وأن"الزينة"لفظة عامة يبتلي الله بها عباده، فإن اتجهوا بها للخير فهي حُسْن وجمال، وإن اتجهوا بها للشرِّ فهي"فتنة".
ونرى كذلك أنّ الجمال في الأدب لا ينفصل عن الجمال في الحياة كلّها، فالجمال في نظر الإسلام أمر يُحبّه الله، فمدَّه في الحياة نهجًا مترابطًا في: حديث النفس، في الكلمة، في الموقف، في العمل، وفي كلّ ميدان. وربّما يقول رجل فاسقٌ كلمة يَبدو لنا فيها جمال فنيّ حسب تصوّرنا، ولكنّها في ميزان الإسلام قد تكون باب فتنة وإفساد فَقَدَتْ عناصر الجمال الذي يُحبّه الله.
وهناك لفظة أخرى ترد في كتاب الله، هي كلمة"الزُّخرف"، فهي قريبة الدلالة من كلمة"الزينة"، إِلا أنها تحمل إلإِيحاء بالتهوين والتقليل من شأن ذلك الزخرف، وترتبط بالدنيا ولا حظَّ لها في الآخرة:
( وَلِبيُوتِهِم أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئِونَ. وَزُخْرُفًا وإن كُلُّ ذَلِكَ لمَّا مَتَاع الْحَيَاةِ الدُّنْيَا واَلآخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ )
[ الزخرف: 34، 35]
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلَ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ )
[ الأنعام: 112]
فالأدب إذًا أعظم أبواب الفنّ وأشرفها، حتى يكاد يكون هو جوهر الفنّ، والفنّ هو جوهر الأدب. والأدب هو فنّ التعبير باللغة، بالكلمة، بالبيان، ليكون هذا البيان نعمة من الله على الإنسان وآية من آياته:
( الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإِنسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ )
[الرحمن: 1ـ4]
فالأدب الملتزم بالإِسلام يتميّز بالجمال كما يعرضه الإِسلام. لا يتميز بالفتنة ولا بالزخرف. إنه زينة طاهرة اتجه بها الأديب المؤمن إلى ميدان الطهارة فكان حُسْنًا وكان جمالًا تحمله رسالة ربّانيّة إلى الناس كافّة.
وكيف يتولّد النص الأدبي من الأديب المؤمن ليحمل هذا الجمال. إنه ينطلق من قلب المؤمن ومن فطرته التي فطره الله عليها، دون أن تفسد أو تشوَّه بالآثام والمعاصي والفساد الممتد، حتى يَرِينَ عليها ما يكسب الإِنسان من إثم وفجور. الأدب وجماله ومضة تنطلق من تفاعل القوى المختلفة في فطرة الإنسان، حيث نعتبر الفطرة هي مستودع هذه القوى المختلفة المتنوعة التي وهبها الله للإنسان. وأهم هذه القوى الإِيمان والتوحيد الذي يكوِّن النبعَ الغنيّ الصافي ليرويَ جميع القوى الأخُرى ريًّا عادلًا متوازنًا حتى تؤدّي كلّ قوة دورها الذي خُلقت له. والنيّة الخالصة لله هي التي تفتح هذا النبع عند كل فكر وعمل لينطلق الريُّ المتوازن العادل. فإن فسدت النيّة انقطع الريّ من هذا النبع الغنيّ، وانفتح نبع آخر من قوى الفتنة والفساد، حين تنمو إحدى القوى، كالشهوة مثلًا، نموًا زائدًا طاغيًا غير متوازن، فيؤثر فسادها على سائر القوى.
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاها. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا )
[ الشمس: 7 ـ 10 ]
إن هذه القوى في فطرة الإِنسان تعمل بطريقة ربّانيّة نعلم القليل عنها وعن القوى التي تعمل فيها، ونجهل الكثير. ولكننا نستطيع أن نقول إن هناك قوّتين رئيستين في الفطرة: قوة الفكر والتفكر والعقل، وقوة الشعور والعاطفة. وكلٌّ منهما تتأثر بما يكتسبه الإِنسان من الواقع من تجارب وعلوم وأحداث. ويمكن أن نشبه هاتين القوتين بقطبين تتجمع عليهما شحنات الواقع من تجارب وأحداث وعلوم. وإذا صدقت النيّة، فهذه كلها تُروى بريّ الإِيمان وتصفّى بمصفاته.
ففي لحظة معيّنة محدّدة بقدر الله، تنمو هذه الشحنات في الأديب المؤمن إلى درجة تصبح معها قابلة للتفاعل، تفاعل الفكر وشحناته وتفاعل العاطفة وشحناتها. فتأتي قوة أُخرى إذا توافرت بنعمة من الله لدى الأديب المؤمن، وهي الموهبة المحدّدة بنوعها وطاقتها، تأتي في اللحظة المحدّدة فتثير التفاعل بين القوّتين وشحناتهما وتنطلق الومضة من هذا التفاعل، غنيّة على قدر غنى القوتين وشحناتهما وعلى غِنَى الموهبة ذاتها. هذه الومضة التي تنطلق من هذا التفاعل تحمل الإِحسان والإِبداع، هي الأدب الملتزم بالإِسلام. إن هذه الومضة هي ثمرة تفاعل جميع القوى العاملة في الإِنسان مما نعلم ومما لا نعلم، تفاعل يمضي بطريقة ربّانيّة. وذكرنا هنا القوى التي عرفنا وجودها في الفطرة والتي علَّمنا إياها الله سبحانه وتعالى.
إن هذه الومضة أو الشعلة تخرج وهي تحمل الجمال الذي يحبّه الله ويحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبّه المؤمنون. إِنها تحمله في النصّ الأدبي الفني الذي تولَّد حسب ما أوجزناه.