فهرس الكتاب

الصفحة 25176 من 27345

أورخان محمد علي ...

هذا الكون الشاسع والواسع الذي لا يرى الإنسان له حدودًا كان محط تساؤل الإنسان وفضوله منذ القديم، وكانت الأسئلة في ذهنه حوله كثيرة وصعبة، مثل:

كيف ظهر هذا الكون إلى الوجود ؟ وما عمره؟ أحادث هو أم قديم وأزلي ؟ وهل يمكن أن يكون هناك أزليان: خالق أزلي وكون أزلي؟

هذه بعض الأسئلة التي كانت محل نقاش بين الفلاسفة المؤمنين مئات الأعوام. أما الفلاسفة الملحدون فكانوا يدّعون أن الكون لا يحتاج إلى خالق؛ لأن المادة أزلية، أي وجدت من القديم.... أي كانوا يضيفون إلى المادة إحدى صفات الخالق وهي صفة الأزلية؛ لذا كان من ضمن قوانينهم الفيزيائية(لا يمكن خلق المادة من العدم، كما لا يمكن إفناء المادة . (

ولكن الإمام أبي حامد الغزالي - رحمه الله - كان أول من حل مشكلة قدم العالم، وأجاب على جميع المشاكل المثارة حول مدة الترك، أي الفرق الزماني بين الأزل وبين بدء خلق الكون، فقال بأن الكون حادث وأنه لم يكن قبله زمان... أي أن الزمان والمكان بدآ بعد خلق الكون؛ لأن الزمن مرتبط بالحركة، ولو تصورنا أن كل شيء في الكون قد سكن وتوقف إذن لتوقف الزمن، أي لم يَعُد هناك زمان. وهكذا فمن الخطأ توهم وجود زمان قبل خلق الكون. وعندما أشارت النظرية النسبية إلى أن الزمن بُعْد رابع كان من البديهي عدم وجود الزمن في عالم لم تخلق بعد أبعاده الأخرى.

لا نريد هنا أن ندخل في تفاصيل فلسفية قد يسأم منها القارئ ولا يستسيغها. ولكننا نريد أن نشير هنا إلى آخر نظرية علمية حول مولد الكون، وكيف أنها أثبتت بأدلة علمية بأن الكون حادث وأنه وُلِد قبل كذا مليار سنة.

الكون بين السكون والحركة

والحقيقة أن اكتشاف الإنسان لظاهرة الإشعاع كان أول ضربة لنظرية أزلية المادة، فما دامت الشمس وجميع النجوم الأخرى مشتعلة وتبعث الإشعاعات، إذن فلا بد من وجود بداية لها؛ لأنها لو كانت أزلية لنفد وقودها منذ مليارات السنوات.

ولكن العلماء الملحدون تناسوا هذه الحقيقة الظاهرة لكل عين واستمروا في الدفاع عن كون أزلي لا يحتاج إلى خالق. وكانت نظرية (الكون المستقر Steady State) التي كانت هي النظرية المقبولة في الأوساط العلمية حتى منتصف القرن العشرين تقول بأن الكون ساكن وهو لانهائي في الزمان والمكان.

كان هذا الأنموذج للكون يريح الفلاسفة الملحدين ويقدم لهم سندًا علميًّا، أو على الأقل لا ينقض أهم دعوى عندهم وهي أزلية المادة.

ولكن علم الفيزياء كان يقدم وسيلة مهمة في معرفة العديد من خصائص الأجرام السماوية والنجوم، فقد كشف"فاستو مالفن سليفر"عام 1913م أن بعض الأجسام - التي كان يعتقد سابقًا أنها غبار كوني - تبتعد عنا بسرعة 1800كم/ ثانية، وكان هذا الاكتشاف مفاجأة كبيرة للعلماء، ولم تكن تلك الأجسام إلا مجرات بعيدة عنا.. ثم أعلن"أدوين هوبل"عام 1929م قانونه المعروف: (إن المجرات تبتعد عنا بسرعة تتناسب طرديًّا مع بعدها عنا)

وقد تبين فيما بعد أن المجرات لا تبتعد فقط عنا، بل هي تتباعد فيما بينها كذلك. وكان هذا يعني أن الكون يتوسع على الدوام، مصداقًا لقوله تعالى"وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون".

الحساء الكوني !!

وما دام الكون في توسع دائم، إذن لو شغَّلنا الفيلم عكسيًّا - أي إلى الوراء - فمن الضروري أن الكون كله كان متركزًا في السابق في نقطة واحدة أطلق عليها العلماء اسم"الذرة البدائية"أو"الحساء الكوني". وقال علماء آخرون إن حجم هذه النقطة كان يساوي الصفر وكتلته لا نهائية. وهذا تعبير آخر من أن الكون ظهر من العدم؛ لأن هذا هو معنى نقطة حجمها يساوي صفر.

ولكن أي قوة تقوم بقذف مائة مليار مجرة بسرعة جنونية، مبعدة الواحدة عن الأخرى وموسعة الكون نتيجة هذا التباعد السريع؟ لا يمكن أن تكون قوة الجاذبية أو قوة التنافر الكهربائي بين الأقطاب المتشابهة هي هذه القوة، فقوة الجاذبية قوة تحاول جذب الأجرام السماوية نحو المركز وليس إبعادها نحو الخارج. كما أن قوة التنافر الكهربائية أضعف بكثير من القيام بمثل هذه العملية. ونظرًا لوجود تعادل كهربائي في الكون فمثل هذه القوة لا وجود لها تقريبًا بين الأجرام السماوية.

إذن فلا بد أن انفجارًا هائلًا حدث عند ميلاد الكون هو الذي أدى إلى توسع الكون.

وقد أطلق العلماء على هذا الانفجار اسم (الانفجار الكبير (BIG BANG، وبعد إجراء بعض التعديلات على نظرية الانفجار الكبير، فإن الصيغة الحالية لها باختصار، هي:

(أن انفجارًا هائلًا وقع في هذه الذرة البدائية التي كانت تحتوي على مجموع المادة والطاقة. وفي اللحظات الأولى من الانفجار الهائل ارتفعت درجة الحرارة إلى عدة تريليونات؛ حيث خلقت فيها أجزاء الذرات، ومن هذه الأجزاء خلقت الذرات، ومن هذه الذرات تألف الغبار الكوني الذي نشأت منه المجرات فيما بعد) .

متى انفجر الكون؟

ولكن متى حدث هذا الانفجار الكبير؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت