فهرس الكتاب

الصفحة 11967 من 27345

بديع الزمان النورسي *

بقلم: عبد الله الطنطاوي

مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على مصطفاه، وبعد:

فهذه بضاعة مزجاة، يقدّمها عبد فقير قليل، عن عظيم من عظماء أمتنا الإسلامية في عصورها الحديثة، تتناول محورًا من محاور شخصيته العملاقة، هو عبارة عن ملامح في خطة عظيمنا: بديع الزمان النورسي - خطّته الإصلاحية، ومنهجه في التغيير لمجتمع كان مسلمًا، نقيًا، مجاهدًا، ثم غزاه الغزاة من الخارج، واصطنعوا لهم صنائع يغزونه من الداخل، ليحطّموه، ويلغوا شخصيته، ويبدّلوا هويته، ويمسخوه مسخًا، ليغدو قزمًا يتمسّح بعتبات عملاق شاكي السلاح، سلاحٍ مادّي يقتل به ويدّمر، وسلاح فكري ظهير لذلك السلاح، بل كان الممهّد له في العقول والنفوس التي تربّت على أعين حاسدة حاقدة، طالما خططت ودبّرت للإجهاز على (الرجل المريض) فكانت المؤتمرات المؤامرات، ...

جاز على المسؤولين، فحسبوا أصحاب الطلاء مسلمين، ولم يعوا حقيقة الأقنعة وما تخفي تحتها من سخائم وضغائن، وكيد وتآمر، وأحقاد تاريخية، وتطلعات توراتية تلمودية، واستراتيجيات وتكتيكات يرسمها دهاقنة المحافل الماسونية التي انتشرت هنا وهناك وهنالك، وتحت أسماء صريحة حينًا، خفيّة حينًا آخر.

وكان الغزو من البرّ والبحر، وكانت الخيانات سلوكًا لناسٍ غُدُرٍ، ائتمنتهم الأمة في غفلة منها ومن أولياء أمورها الحاكمين، فلم تنتبه ليهودية مطلية بطلاء زائف

فيما يلي تعريف موجز بالإمام بديع الزمان سعيد النُّورسيّ - رحمه الله رحمة واسعة - ليكون بمثابة المدخل إلى شخصيته.

المولد:

ولد سعيد النورسي في قرية (نُوْرس) الواقعة شرقي الأناضول في تركيا عام (1294 هـ - 1877م) من أبوين صالحين كانا مضرب المثل في التقوى والورع والصلاح، ونشأ في بيئة كردية يخيم عليها الجهل والفقر، كأكثر بلاد المسلمين في أواخر القرن الماضي، وبدايات هذا القرن. وإلى قريته (نُوْرس) يُنْسَب.

علمه:

وقد بدت عليه أمارات الفطنة والذكاء منذ طفولته، ولمّا دخل (الكُتّاب) وتتلمذ على أيدي المشايخ والعلماء بهرهم بقوة ذاكرته، وبداهته، وذكائه، ودقّة ملاحظته، وقدرته على الاستيعاب والحفظ، الأمر الذي جعله ينال الإجازة العلمية وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أن تبحّر في العلوم العقلية والنقلية بجهده الشخصي، فقد حفظ عن ظهر غيب، ثمانين كتابًا من أمّات الكتب في اللغة والنحو والصرف والبلاغة والحديث والفقه والتفسير وأصول الفقه، كما حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من حياته الخصبة الحافلة.

كما عكف على دراسة العلوم العصرية، أو العلوم الكونية الطبيعية، من رياضيات، وفلك، وكيمياء، وفيزياء، وجيولوجيا وجغرافيا وتاريخ وفلسفة حديثة وسواها من العلوم، حتى غدا عالمًا فيها، ومناظرًا فذًّا للمختصين بها، وصار له رصيد ضخم من المعلومات، مكّنه من الانطلاق من مرتكزات علمية سليمة.

كان طالب العلم سعيد النورسي شديد الاحتفال والاشتغال والتعلّق بالفلسفة والعلوم العقلية، وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدها، كأكثر أهل الطرق الصُّوفية، بل كان يجهد لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثتها إياه مداومة النظر في كتب الفلاسفة.

مع القرآن الكريم:

في عام 1894 تناهى إلى سمعه أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) وقف في مجلس العموم البريطاني، وهو يحمل المصحف الشريف بيده، ويهزّه في وجوه النواب الإنكليز، ويقول لهم بأعلى صوته:

"مادام هذا الكتاب موجودًا، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. لذا، لا بدّ لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به".

فصرخ العالم الشاب سعيد النورسي من أعماقه:

"لأبرهننّ للعالم أجمع، بأن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها."

ورأى النّورسيُّ رسولّ الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وسأله أن يدعو الله له: أن يفهّمه القرآن، ويرزقه العمل به، فبشّره الرسول الكريم بذلك، قائلًا له:

"سيوهب لك علم القرآن، شريطة ألا تسأل أحدًا شيئًا"

وأفاق النورسيُّ من نومه، وكأنما حيزت له الدنيا .. بل.. أين هو من الدنيا، وأين الدنيا منه.. أفاق وكأنما حيز له علم القرآن وفهمه، فقد آلى على نفسه ألا يسأل أحدًا شيئًا، استجابة لشرط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهبه الله ما تمنَّى، وصار القرآن أستاذه ومرشده وهاديه في الدياجير التي اكتنفت تركيا الكمالية.

بديع الزمان في مهبّ الأعاصير:

نستطيع تمييز مرحلتين في حياة الإمام سعيد النورسيّ:

الأولى: مرحلة سعيد القديم، وتبدأ من مولده حتى نفيه إلى (بارلا) عام 1926 وهذه المرحلة هي مرحلة الإعداد الذاتي لنفسه، ومرحلة العمل الفردي، وخوض المعارك السياسية، مدافعًا عن الخلافة، وعن القرآن والإسلام، مهاجمًا أعداء الإسلام والخلافة والقرآن.

وفي هذه المرحلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت