-وفي هذه المرحلة سافر إلى إستانبول عام 1896 ليقدم مشروعًا لإنشاء - جامعة إسلامية حديثة في شرقي الأناضول - بلاد الأكراد - وأطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء) لتكون على منوال (الأزهر) في مصر، غير أنها تختلف عن الأزهر بتدريس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية والعربية، وذلك من أجل النهوض بالأكراد المسلمين المهملين الذين يفتك بهم الجهل والفقر والتخلف. ولكنّ النورسي لم يلق قبولًا من السلطان عبد الحميد ومن وزير داخليته.
-وفي عام 1907 سافر مرة أخرى إلى إستانبول، للغرض ذاته، وقابل السلطان عبد الحميد، وانتقد الاستبداد ونظام الأمن واستخبارات القصر (يلدز) فأثار عليه حاشية السلطان، وأحالوه إلى محكمة عسكرية.
وكان النوسيّ في منتهى الشجاعة في التعبير عن رأيه أمام القضاة العسكريين، الأمر الذي جعل رئيس المحكمة يحيله إلى الأطباء النفسانيين، للتأكد من سلامة قواه العقلية، وكانت لجنة الأطباء المؤلفة من طبيب تركي، وآخر أرمني، وثالث رومي ومن طبيبين يهوديين (!!!) قررت وضعه في مستشفى (طوب طاش) للمجانين) (!!!) .
وعندما حضر طبيب نفساني إلى المستشفى، لفحص قواه العقلية، بادره النورسيّ بحديث رائع عميق يأخذ بالألباب، فما كان من الطبيب إلا أن يكتب في تقريره:
"لو كانت هناك ذرّة واحدة من الجنون عند بديع الزمان، لما وُجد عاقل واحد على وجه الأرض."
ثم أحيل النّورسيّ إلى وزارة الداخلية، وكان الحوار التالي بينه وبين وزير الداخلية:
الوزير: إن السلطان يخصك بالسلام مع مرتب بمبلغ ألف قرش وعندما تعود إلى بلدك سيجعل مرتبك ثلاثين ليرة كما أرسل لك ثمانين ليرة هدية سلطانية لك.
بديع الزمان: لم أكن أبدًا متسول مرتب، ولن أقبله ولو كان ألف ليرة لأنني لم آت لغرض شخصي، وإنما لمصلحة البلد، فما تعرضونه عليّ ليس سوى رشوة السكوت.
الوزير: إنك بهذا تردّ الإرادة السلطانية، والإرادة السلطانية لا تردّ.
بديع الزمان: إنني أردّها، لكي يستاء السلطان ويستدعيني عند ذلك أستطع أن أقول له قولة الحق.
الوزير: إن العاقبة ستكون غير سارة.
بديع الزمان: تعددت الأسباب والموت واحد، فإن أعدم فسوف أرقد في قلب الأمة، علمًا بأنني عندما جئت إلى إستانبول كنت واضعًا روحي على كفي.. اعملوا ما شئتم، فإني أعني ما أقول: إنني أريد أن أوقظ أبناء الأمة، ولا أقوم بهذا العمل إلا لأنني فرد من هذا البلد، لا لأقتطف من ورائه مرتبًا، لأن خدمة رجل مثلي للدولة لا تكون إلا بإسداء النصائح، وهذه لا تتم إلا بحسن تأثيرها، وهذا لا يتم إلا بترك المصالح الشخصية فإنني معذور إذن عندما أرفض المرتب.
الوزير: إن ما ترمي إليه من نشر المعارف في بلدك هو موضع دراسة في مجلس الوزراء حاليًا.
بديع الزمان: إذن فلم يتأخر نشر المعارف، ويُستعجل في أمر المرتّب؟ لماذا تؤثرون منفعتي الشخصية على المنفعة العامة؟.
-ثم ذهب إلى (سلانيك) مقرّ يهود الدونمة ومشتقاتهم من جمعية (الاتحاد والترقي) و (الماسونية) وسواهما، والتقى عددًا من شخصيات (الاتحاد والترقي) الذين كانوا يطمعون في كسب النورسيّ العبقري إلى صفهم، وكان ممن التقاهم: (عما نوئيل قره صو) رئيس المحفل الماسوني، وعضو مجلس المبعوثان (أي النواب) العثماني، وكان قره صو يطمع في النورسيّ، ولكنّ المقابلة بينهما لم تطل، لأن قره صو فرّ هاربًا من اللقاء، وهو يقول:
"كاد هذا الرجل العجيب - النّورسيّ- يدخلني في الإسلام، بحديثه.".
و (قره صو) هذا هو أول صهيوني ما سوني عمل على خلع السلطان عبد الحميد وإلغاء الخلافة.
-وفي هذه المرحلة اتّهم فيمن اتّهم بحادثة 31 مارت (13/ 4/ 1909) وسيق إلى المحاكمة، ورأى في الساحة خمسة عشر رجلًا معلّقين على أعواد المشانق، ظّنًا من القضاة أن هذا المنظر سوف يرهبه.. قال له الحاكم العسكري خورشيد باشا:
-وأنت أيضًا تدعو إلى تطبيق الشريعة؟ إن من يطالب بها يشنق هكذا (مشيرًا بيده إلى المشنوقين) ..
فقام بديع الزمان سعيد النورسي وألقى على سمع المحكمة كلامًا رائعًا نقتطف منه ما يأتي:
"لو أن لي ألف روح لما تردّدت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام، فقد قلت: إنني طالب علم، لذا فأنا أزن كل شيء بميزان الشريعة، إنني لا أعترف إلاّ بملة الإسلام.. إنني أقول لكم وأنا واقف أمام البرزخ الذي تسمونه (السجن) في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة لا لتسمعوا أنتم وحدكم بل ليتناقله العالم كله؛ ألا لقد حان للسرائر أن تنكشف، وتبدو من أعماق القلب، فمن كان غير محرم فلا ينظر إليها."