د.إسلام بن صبحى المازني
السماء لا تمطر-عادة- ذهبا ولا فضة ... والنصر لا يأتي رخيصا أو مصادفة، بل أمرنا الله تعالى بالعدة ما استطعنا، ووعدنا سبحانه بالتأييد حينئذ ... إسلام صحيح (على نهج النبي صلى الله عليه وسلم من الوحيين النقيين، بفهم الصحب الكرام) ، وأخذ بالأسباب قدر الوسع بلا شك ...
لم يكن صلاح الدين طفرة ولا فلتة، بل كان كوكبا من مجموعة منيرة، ربيت بعناية ميزت أبناء الإسلام، وهو أسوة ليعرف الحالمون كيف كان السادة الحقيقيون .
ولم يكن نصر حطين فرصة مفاجئة اغتنمها، ولا فورة حماسة، بل كان نتيجة توفيق الله تعالى له للسير على خطوات دامت سنوات، بعد خطوات أخرى مهدها له سلفه نور الدين .
فعلى الأمة قادة ومقودين أن يدرسوا ذلك ليعرفوا كيف كان ما كان..
إن أرادوا عودة للقمة ورفعا للغمة
لقد كانت هناك برامج تعليمية وإعلامية وعلمية ورؤية شرعية وروح عامة تبث للنهضة لفترة، وعمل خالص دؤوب ..
فلم نكون الضعفاء؟ ولم نكون الأدنى عدة وعمقا ؟ من يتحمل وزر ذلك اليوم الذي صرنا فيه لا شيء ؟ وأعلنا عجزنا عن حماية أعراضنا وشرفنا ..
من هم أصدقاء صلاح الدين ؟
هذا هو وصف دكتور معاصر لصلاح الدين، وهو العالم البروفيسير الفذ:
موفق الدين عبد اللطيف البغدادي
وهو أستاذ دكتور في الطب والنحو، وكلامه أحلى من الشهد، ونقلت تهذيب ترجمته وسيرته الذاتية - بقلمه وقلم ابن أبي أصيبعة - مع التعقيب في كتابي: روائع تاريخ الطب والأطباء المسلمين، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان
انظروا للتربية وهو يحكي عن نفسه، وقارنوا ...:
وتربيت في حجر أبي النجيب، لا أعرف اللعب واللهو، وأكثر زماني مصروف في سماع الحديث، وأخذت لي إجازات من شيوخ بغداد وخراسان والشام ومصر!
وقال لي والدي يوما ً قد سمعتك جميع عوالي بغداد، وألحقتك في الرواية بالشيوخ، وكنت في أثناء ذلك أتعلم الخط، وأتحفظ القرآن والفصيح والمقامات وديوان المتنبي ونحو ذلك، ومختصرًا في الفقه ومختصرًا في النحو !
وأقبلت على الإشتغال وشمرت ذيل الجد والاجتهاد وهجرت النوم واللذات!
إنما الأيام والعيش كتاب كل يوم فيه للعبرة باب
إن رزقت العلم زنه بالبيان ما يفيد العقل إن عي اللسان
وسافرت إلى مصر
إلى أن قال:
وشاع أن صلاح الدين عاد إلى القدس، فقادتني الضرورة إلى التوجه إليه، فأخذت من كتب القدماء ما أمكنني وتوجهت إلى القدس فرأيته عظيمًا يملأ العين روعة والقلوب محبة، قريبًا بعيدا،ً سهلًا محببا،ً وأصحابه يتشبهون به يتسابقون إلى المعروف كما قال تعالى"ونزعنا ما في صدورهم من غل"وأول ليل حضرته وجدت مجلسًا حفلًا بأهل العلم يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار وحفر الخنادق ويتفقه في ذلك... يحمل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الناس الفقراء والأغنياء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل، ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر، ويأتي داره ويمد الطعام ثم يستريح ويركب العصر، ويرجع في المساء ويصرف أكثر الليل في تدبير ما يعمل نهارًا، فكتب لي صلاح الدين بثلاثين دينارًا في كل شهر على ديوان الجامع، وأطلق أولاده رواتب حتى تقرر لي في كل شهر مائة دينار . ورجعت إلى دمشق وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع، وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فيها رغبة وفي كتب فلسفة ابن سينا زهادة....""
من كلامه:
"ينبغي أن تحاسب نفسك كل ليلة إذا آويت إلى منامك، وتنظر ما اكتسبت في يومك من حسنة فتشكر اللّه عليها، وما اكتسبت من سيئة فتستغفر اللّه منها، وتقلع عنها وترتب في نفسك مما تعمله في غدك من الحسنات، وتسأل اللّه الإعانة على ذلك . وإذا قرأت كتابًا فاحرص كل الحرص على أن تستظهره وتملك معناه، وتوهم أن الكتاب قد عدم، وأنك مستغن عنه لا تحزن لفقده. وإذا كنت مكبًا على دراسة كتاب وتفهمه فإياك أن تشتغل بآخر معه، ولصرف الزمان الذي تريد صرفه في غيره إليه."
وإياك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدة، وواظب على العلم الواحد سنة أو سنتين أو ما شاء اللّه، فإذا قضيت منه وطرك فانتقل إلى علم آخر، ولا تظن أنك إذا حصلت علمًا فقد اكتفيت! بل تحتاج إلى مراعاته لينمو ولا ينقص ومراعاته تكون بالمذاكرة والتفكر، واشتغال المبتدئ بالتلفظ والتعلم ومباحثة الأقران واشتغال العالم بالتعليم والتصنيف...
وينبغي للإنسان أن يقرأ التواريخ وأن يطلع على السّير وتجارب الأمم فيصير بذلك كأنه في عمره القصير قد أدرك الأمم الخالية وعاصرهم وعاشرهم وعرف خيرهم وشرهم .""