والانغماس في الدنيا وترفها وملذاتها ينتج عنه: غفلة عن الآخرة ، وتشتت للذهن والقلب ، وإعمال الفكر في الاستزادة منها ، والخوف على فواتها .. وهذا يؤدي إلى قسوة القلب ورقة الدين ، ومن هنا: تبدأ النفس في الاستجابة لتزيين الشيطان ، وتثور الشبهات والشهوات في القلب ، والذي ينشأ منهما: الكذب ، والتدليس ، والتلبيس ، والطمع ، والجشع .. وبخاصة في مثل عصرنا الذي نعيش فيه ، والذي كثرت فيه المعاملات المحرمة والشبهات ، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم ، ولذا: كان الأولى لمن أراد لنفسه السلامة من الدنيا وشبهاتها وشهواتها: أن يتخفف منها قدر الاستطاعة وأن يرضى منها بالقليل ؛ لأن هناك تناسب طردي وخاصة في زماننا هذا بين كثرة الدنيا وكثرة الوقوع في الشبهات والشهوات المؤديات إلى التدليس والتلبيس .
6-النصح للأمة والحذر من عاقبة التلبيس والتدليس عليها:
إن الشعور بواجب النصح للأمة يقتضي من المسلم وبخاصة الداعية إلى الله عز وجل أن يبين الحق لأمته ، ويعري الباطل ويكشفه لها ، ولا يجعله ملتبسًا عليها فتضل ؛ لأن الذي يرى أمته تُضلل ويُلَبّس عليها دينها فتعيش في عماية من أمرها ، ثم يتركها وهو يعلم الحق من الباطل إن مَن هذا شأنه: يعتبر خائنًا لله ورسوله وللمؤمنين ، وإن الله عز وجل سائله يوم القيامة عن علمه: فيم عمل به؟، وهذا فيمن رأى التضليل والتلبيس فلم يُحذّر منه ولم يكشفه للناس ، فكيف بمن باشر التلبيس والتضليل بنفسه عياذًا بالله ؟ إن هذا بلا شك أكثر خيانة من سابقه ، وإن وزر وضلال من ضلله بتلبيسه هذا سيحمله فوق ظهره يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار من ضللهم شيء . والحاصل: أن شعور المسلم بإثم وعاقبة التلبيس أو السكوت عليه: من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع فيه إن كان في القلب حياة وخوف من الله سبحانه والدار الآخرة ، لأن من كان في قلبه المحبة الحقيقية لهذا الدين وأهله: لا يمكن أن يرى التضليل والتلبيس من المفسدين المنافقين ثم يرضى لنفسه السكوت والوقوف موقف المتفرج ، بل لن يقر له قرار ويهدأ له بال حتى يساهم قدر استطاعته في إبانة سبيل المؤمنين وإسقاط اللافتات الزائفة عن سبيل المجرمين وتعرية باطلهم وخداعهم كما مر بنا في صور التلبيس ، وعندها: تعرف الأمة من توالي ومن تعادي ، وعندها: تتميز الصفوف ويتميز المؤمن من المنافق ، وكل هذا يحتاج إلى تضحيات باهظة ، لكنها رخيصة في سبيل الله عز وجل لأن نصر الله جل وعلا الموعود لا يتم بدونها .
وبعد:
فهذا ما يسره الله عز وجل في هذه العجالة حول هذا الموضوع المهم الذي يمس المسلم في عقيدته وأخلاقه ومجتمعه ، ولا أزعم أنني أحطت بجوانبه كلها ، ولكن حسبي إثارة هذا الموضوع والتذكير به لعل فضيلة العلماء الكرام والإخوة الدعاة يكملون ما نقص منه ، ويقوّمون ما اعوج منه . وأحب أن أنبه: أن ما ذكرته من صور التلبيس ذكرته على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ، فالصور كثيرة وكثيرة وبخاصة في زماننا هذا الذي قلّ فيه العلم والورع ونجم فيه الجهل والنفاق .
وفي خاتمة هذه المقالات: أوصي نفسي الأمارة وأوصي إخواني المسلمين: بأن يتفقد كل منا نفسه ، ويبحث عن هذا المرض الخطير فيها فإذا وجدنا شيئًا من ذلك وسنجد فعلينا التوبة الصادقة من هذا المرض، ولنبادر بقطع جذوره قبل أن يستفحل ، ولا نُسوّف في ذلك أبدًا ؛ لأن التسويف وطول الأمل من عمل الشيطان وتلبيسه .
والله أعلم ، وصلّ الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
(1) إغاثة اللهفان: ج2 ، ص167 .
(2) إعلام الموقعين: ج3 ، ص214 .
(3) في ظلال القرآن: ج3 ، ص387 .
(4) البخاري: كتاب الرقائق ، ح 6502 .
مجلة البيان / العدد (89) التاريخ - محرم /1416هـ .