فهرس الكتاب

الصفحة 3601 من 27345

وبعد ذكر السببين الرئيسين للوقاية من اللبس والتلبيس ، وهما: البصيرة في الدين الذي تدفع به الشبهة ، والصبر والتقوى اللذان تدفع بهما الشهوة: نذكر فيما يلي بعض الأسباب المساعدة لتثبيت السببين السابقين:

3-محاسبة النفس ومجاهدتها وتحصينها بالذكر والدعاء والعمل الصالح:

حيث لابد للمسلم من محاسبة دائمة للنفس ، ومجاهدة لها في تطويعها لشرع الله عز وجل والحذر من الشيطان الذي لا يفتأ يوسوس ويزين لها الباطل ، فإن لم يتفقد كل منا نفسه ، ويسد على الشيطان مداخله المتعددة ؛ فإن النفس تكون على خطر أن تنساق مع شهواتها وهواها ، فيحصل من جراء ذلك: اللبس والتلبيس والتضليل والمغالطة ، إما بعلم أو بجهل ، وإن مما يؤكد أهمية المحاسبة الدائمة واليقظة الشديدة للنفس ما يحصل من كثير منا في يومه أو غده من المغالطات

والمعاذير الكاذبة والتبريرات الغامضة ، سواء أكان ذلك مع النفس أو مع الناس ، ولكنها تكثر وتقل حسب التقوى وقوتها أو ضعفها في القلب ، مع أنه يوجد من الدعاة والمصلحين نماذج فريدة في إخلاصها وصدقها وبعدها عن المداهنة والمغالطة والتلبيس ، نسأل الله لهم الثبات ، ونسأله سبحانه للجميع الصدق في المقاصد والأقوال والأعمال .

ومن الأسباب القوية التي يُتحصن بها من الشيطان ووساوسه: ذكر الله عز وجل في أحوال اليوم والليلة ؛ فكلما كان اللسان رطبًا بذكر الله تعالى والقلب يواطؤه في ذلك: كلما كان الشيطان بعيدًا ولا يستطيع اقتحام الحصن ؛ لأن ذكر الله سبحانه يحرقه ويمنعه من الدخول ، ولكن ما إن يغفل العبد عن ذكر الله تعالى حتى يكر مرة أخرى للوسوسة ، فهذا دأب الشيطان في كره وفره على القلب ، فكلما ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل وسوس .

ومن الأسباب الواقية من التباس الحق بالباطل: مجاهدة النفس في عمل الصالحات والإكثار منها من غير إفراط ولا تفريط ، كما جاء في الحديث القدسي الذي منه: وما تقرب إليّ عبدي بأحب مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها .. الحديث [4] فمن كان يسمع ويبصر ويمشي ويبطش بنور الله وهداه: فإنه لن يخطئ أبدًا ؛ قال تعالى: ( وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ) [العنكبوت: 69] وبالضد من ذلك فإن كثرة الذنوب من أسباب الضلال والزيغ ؛ قال تعالى: ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) [الصف: 5]

4-مصاحبة أهل العلم والورع:

إن الجليس يتأثر بجليسه وصاحبه ، سواءً أكان ذلك في الخير أو الشر ، وذلك عن طريق المؤانسة والمشابهة والقدوة ، وعليه: فإن من الأسباب المانعة من الانحراف ولبس الحق بالباطل: الجلوس مع أهل العلم والتقوى ومصاحبتهم ومشاورتهم ، لأنه بالعلم الذي عندهم تحترق الشبهات ، وبالتقوى والورع لديهم تحترق الشهوات ، وبذلك يُسد على الشيطان البابان الرئيسان اللذان يدخل منهما ليلبس على النفس ويزين لها التلبيس ، والعكس بالعكس: ما إن يصاحب المرء أهل الجهل والجدال ومن لم يؤتوا حظًّا من التقوى والورع إلا ويتأثر بهم وينطبع بأخلاقهم وتشتبه عليه الأمور لضعف العلم والبصيرة ، أو يتعمد ترك الحق وتعميته على الناس لضعف التقوى والصبر عن الشهوات ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: لولا ثلاث لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله ، ومكابدة الليل ، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر .

ولعل مما يدخل في هذا السبب: الإكثار من قراءة أخبار أهل العلم والتقوى والجهاد من أنبياء الله الكرام وصحبهم الأجلاء والتابعين لهم بإحسان ؛ ففيهم الأسوة والقدوة والخير كله .

5-الحذر من الدنيا ، وعدم الركون إليها:

إن من أعظم أسباب الانحراف عن الحق والوقوع في الانحراف والمخالفات: هذه الدنيا الغرارة ؛ فكلما انفتحت على العبد كثرت شبهاتها وانساق مع شهواتها المختلفة ، وعندما يرد ذكر الدنيا فإنه يقصد بها كل ما أشغل عن الآخرة من متعها المختلفة التي أجملها الله عز وجل في قوله سبحانه ( قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يًَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ ) [التوبة: 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت