تفسير سورة البروج
الجمعة 25 جمادى الأول 1397 / 13 أيار 1977
( 6 ـ 6 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:
أحب أن أختتم لكم اليوم إن شاء الله سورة البروج ، وأن أختتم معها فصلًا من حياتي طال طولًا فاحشًا ..أفترض أن في أذهانكم سورة كاملة أو شبه كاملة عن الأفكار التي بحثناها من هذه السورة الكريمة ، وتأسيسًا على هذا الافتراض أعفي نفسي من أية مراجعة لأية فكرة سبقت ، لكي أواجه معكم هذه البقية الباقية من السورة الكريمة .
بعد أن ذكر الله تعالى قوله الكريم ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ) بعد هذا قال جل وعلا ( إن بطش ربك لشديد ، إنه هو يبدئ ويعيد ، وهو الغفور الودود ، ذو العرش المجيد ، فعّال لما يريد ) تعطي هذه الآيات القارئ انطباعًا بأن الله تعالى أراد وهو العليم بمعنى ما أراد من عرض هذه الآيات أن يقرّ في أحاسيس المسلمين وهم في بحار الصراع مع المشركين المكيين وهم في أوائل هذه الدعوة .. أراد أن يقرّ عددًا من الأفكار ولعل في رأسها وأمسّها لاحتياجات الحركة في تلك اللحظات الحاسمة إقناع المسلمين بأن إرادة الله حرة وطليقة وأن قدر الله الماضي في الأولين والآخرين لا يتوقف على الرغبات العارضة ولا يكترث للآلام التي لا بدّ أن تتوضع في بعض مراحل الدعوة .
كما أراد أن يقرّ أيضًا في حسّ المسلمين أن ما هم فيه من أليم العذاب وشديد البلاء جزء من الطريق الذي هم ماضون فيه ، كما أراد أن يقرّ أيضًا في حسّ المسلم وهو في أوجّ صراعه مع أعداء الله جل وعلا أن النظرة الإلهية غير النظرة البشرية ، فإذا ضاقت صدور المؤمنين من الذي يعانون فلا يعني هذا أن الوحي ينبغي أن يغير من خط القدر لكي يجلب الراحة والطمأنينة إلى نفوس المسلمين .
إن المسلم مخلوق من جملة مخلوقات الله ، لا يمتاز على بقية المخلوقات إلا من حيث أنه قد استجاب لنداء ربه واتّبع شرعة ومنهاج نبيه صلى الله عليه وسلم ، لكن المسلم إذا فهم من هذا أن العناية الربانية يجب أن تكون مقصورة عليه وحده وأن رحمة الله يجب أن تُفتح له وحده ، المسلم إذا فهم هذا فهو مخطئ ، إن الله لو لم يبذل أسباب الرحمة والعناية للناس جميعا قاصيهم ودانيهم ومسلمهم وكافرهم وذكرهم وأنثاهم فلا يستحق أن يكون هو الرحمن الرحيم ، ولهذا تجدون ربنا تبارك اسمه يقول في هذه الآيات ( وهو الغفور الودود ، ذو العرش المجيد ، فعّال لما يريد ) وإننا لو فهمنا اتصاف الله بالرحمة والمغفرة إلى خلقه على أنها أوصاف تمسّ بآثارها قطاع المسلمين فسوف نظلم الذات الإلهية ، إن الله تعالى تحبب إلى خلقه بما بذل لهم من أسباب الهداية وبما خوّلهم من النعم هو المبتدئ بها عليهم ، وهم الذين يتمتعون بها من غير استحقاق لهم على الله . فالآية الكريمة تُشعر بأن الله جلّت قدرته يفتح الباب أمام المسرفين على أنفسهم من المشركين وأمام المتألهين أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمام المؤمنين لكي يقول لهم: لا تيأسوا من روح الله ولا تقنطوا من رحمة الله فإن الله هو ربكم ومن حيث هو ربكم فهو عليكم حريص وبكم رؤوف رحيم ، ولئن شكرتم وآمنتم لأعفونّ عما مضى ولأسترنّ ما فعلتم برسول الله وبالفئة التي آمنت معه .
إن هذا الكلام يأتي ضمن هذا الإطار الذي سمعتموه ( إن بطش ربك لشديد ) كلام مختصر قرأه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سمع من أمين الوحي عليه السلام وذلّت بقراءته ألسنة المؤمنين ، فتصوّروا ما الذي يفهمه المؤمنون وهم في غمرة الصراع حينما كانوا يقرأون هذه الآية ؟ إن المسألة لكي تُفهم تتوقف على ضرورة الحصول على قدر أدنى من المعرفة بمقدار غموضيته ، إن أول شيء وإن أبسط شيء يفهمه الإنسان حين يقول أشهد أن لا إله إلا الله هو أن الله خالق بارئ مصور مانع معطي معز مذل يخفض ويرفع يفعل ما يشاء لا معقّب لحكمه وهو الحكيم الخبير ، ومؤدى هذه العقيدة البسيطة التي تعرفها العجائز أن يستحضر المسلم وهو في غمرة الصراع حقيقة أن الله ليس غائبًا عن المعركة ، ليس بعيدًا عن الساحة ، وما يحدث فبعلمه يحدث بل وبإرادته يحدث ، وإذًا فالمفروض أن يجد المؤمن الروح والراحة واليقين والاطمئنان وعزيمة الصبر حينما تتكالب عليه الأعداء وتبرق الدنيا وترعد من حوله ، إنه بين يدي الله ، والله يراه ويسمع ، بل هو الذي يفعل ، وصوّروا لأنفسكم أية عزيمة هذه التي يجدها الإنسان المؤمن وهو يضم جنبيه على ثقة بالله من هذا القبيل .