خلقت لواحدٍ فلا تكن عبدًا لكثير !! د. الحبر يوسف نور الدائم*
دعا القرآن الكريم إلى التوحيد ، واعلم أنه العقيدة التي بشر بها النبيون كلهم أجمعون ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) فالإشراك عمل حابط, وبطلان ظاهر وخسران مبين... ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءًا حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب . أو كظلماتٍ في بحرٍ لجيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) وفي سورة إبراهيم (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا علي شيء ذلك هو الضلال البعيد) وفي سورة البقرة نقرأ قوله سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) والصفوان الحجر ، والوابل المطر العظيم القطر ويقال لضعيفه طل وفي القرآن ( فإن لم يصبها وابل فطل) والصلد الأملس و الظن بالتراب إذا أصابه الوابل أن يهتز ويربو وينبت ويمرع ، ولكن لما لابس العمل الرياء والكفر فقد كشط التراب وزال الأثر ومحقت البركة وبطل العمل ، وبقيت الصلادة التي لا تلين والقساوة التي لا تنبض.
فالإشراك بالله- أعاذني الله وإياك منه - مصيبة ما بعدها مصيبة, وذنب ما بعده ذنب. وما لمشرك من مطمع في مغفرة ولا جنة ولا رضوان ( من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) وفي سورة الأعراف ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) إن الإيمان بالله وإفراده وتوحيده دين قيم وطريقة مستقيمة ومحجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، وإن الكفر بالله و الإشراك به دين فاسد وطريقة معوجة وضلال بعيد ( ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) .
ولما كان التوحيد بهذه المنزلة فقد حرص الأنبياء قاطبة على توكيده و تحقيقه ونشره وإذاعته ، بينوا بيانًا فصيحًا وبلّغوا بلاغًا مبينًا لتكون على الناس الحجة. ومع البيان الفصيح و البلاغ المبين فلا حجة للناس على الله. لقد زال العذر وانقطع الشك وارتفع الإلتباس. لقد بلغ الرسل ما أنزل إليهم من ربهم فدعوا إلى عقيدة التوحيد بألسنة مفتوقة مفتوحة وكانوا صرحاء نصحاء فصحاء. صبروا و صابروا ، جدوا وجاهدوا ، قاتلوا وقتلوا ، وبذلوا أنفسهم و أموالهم في الله ولا غرو ، فمن الناس من يشري نفسة إبتغاء مرضاة الله . والرسل صفوة الناس بعد ، ما من رسول إلا بشّر و أنذر، وخوّف وحذّر ، ورغّب ورهّب ( إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة و النبيين أربابًا أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) ، (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا اليمًا ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا ) .
نعم ، التوحيد رسالة الأنبياء جميعا وهو عقيدتهم كلهم لا نستثني منهم أحدًا , حتى إذا بعد العهد وطال الأمد وقست القلوب ، واندثرت معالم الحق وانطمست معالمه وانحرف بعض الناس عن الحق ومالوا عن الرشد ، واستحوذت عليهم شياطينهم فلعبت بهم الأهواء وتعلقوا بأباطيل صدتهم عن سواء الصراط . لقد مكث موسى عليه السلام في قومه يعلم ويهذب ، ويزكّي ويؤدّب حتى إذا غاب عنهم أيامًا اتخذوا عجلًا له خوار زعموا أنه ربهم ورب موسى وهارون. فلما رجع موسى إلى قومه غضب لربه عز وجل فألقى بالألواح ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه وقال للسامري في غضب وغيظ ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفًا . إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) .