الصحوة الإسلامية أمل المستقبل المرتقب، وعدة الغد المقبل، وقد عمَّ نورها الأرجاء، وكان من آثارها: الإنابة، والتوبة، والعبادة، ومن ملامحها: النهضة العلمية، والأصالة المنهجية، والاستقلالية الفكرية، وجوانب الخير فيها كثيرة يضيق المقام عن حصرها. ومع ما أسفلناه إلا أنها تحتاج إلى ترشيد وتسديد، وإلى تدعيم وتقويم، وواجب النصيحة لهذه الصحوة المباركة يقتضي استنفار العلماء والمربين، وكل غيور على الدين وأهله، يجتهد كلٌّ فيما يحسنه، هذا بتأصيل العلوم الشرعية لهم، وذاك بتعميق التربية الإيمانية فيهم، ويرتقى لذلك كل سبيل مشروع، هذا بفصيح لسانه، وذاك ببليغ ما يخطه ببنانه. ومن هذا المنطلق جاءت: 'كلمات في الالتزام' لبيان سبيل كل يدعيه، ويتشدق بأبعاده ومراميه، وهي محاولة متواضعة لإقامة الحجة وبيان المحجة.
معنى الالتزام: الالتزام كلمة تعبر عن الملازمة للشيء والدوام عليه، فهي كلمة عامة تصدق على الالتزام بالشرع وبغيره.
? والالتزام المراد في هذه الرسالة هو:
مداومة الاستقامة على الهدى، قوة التمسك بالتقي، وإلجام النفس وقسرها على سلوك طريق الحق والخير، مع سرعة الأوبة والتوبة حال ملابسة الإثم، أو الركون إلى الدنيا.
وبهذا يكون الالتزام بالدين بمعنى 'مداومة الاستقامة' و'الاستمساك بالشريعة' 'والثبات على طاعة الله ورسوله' و'سلوك طريق الهداية' وهو تكليف يصبر عليه 'المؤمن القوي' ويسارع إليه 'السابقون بالخيرات'.
عوائق الالتزام: وأهم العوائق التي تمنع الكثيرين، وتحول دون الإقدام بخطوات جادة لسلوك هذا الطريق،
الناظر في واقع الناس يستطيع إدراكها، ومنها:
?المفاهيم الخاطئة:ومن هذه المفاهيم الخاطئة:
? انحراف مفهوم 'التشدد والغلو' عن معناه الشرعي: فمن الناس من يظن أن التمسك بالسنن، والمحافظة على أوامر الله، وترك ما حرم الله؛ نوع تشدد وتنطع في الدين، ولذا ترى بعض هؤلاء كثيرًا ما يستدل بحديث: [هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ] رواه مسلم. في غير محله، وقد يتخذه سببًا لتنفير الآخرين من سلوك طريق الصالحين، والثبات على الالتزام بالدين.
ويجاب عليهم: بأن أهل العلم قد حددوا المعنى الشرعي للغلو والتنطع والتشدد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:'الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمه، على ما يستحق ونحو ذلك'. إذًا: الغلو في الدين هو: تجاوز الحد الشرعي بالزيادة، فمن صام النهار ولم يفطر، فقد زاد على ما فعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن قام الليل ولم ينم، فقد زاد على سنته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن امتنع عن الزواج، فقد ترك ما شرع الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أما من التزم الفرائض، وحافظ على الأوامر الشرعية، واجتنب النواهي؛ فليس ذلك من الغلو بحال، بل هو من الدخول في الإسلام كافة الذي أمرنا الله به في كتابه الكريم. والأولى بهؤلاء أن يتقوا الله، ويعترفوا بتقصيرهم لا أن يرموا المتقين بما هم بعيدون عنه !!.
? انحراف مفهوم 'الوسطية' عن المعنى الشرعي: فإن من الناس من يظن أن ما هو عليه من ظلم لنفسه، وتقصير مع ربه أنه هو 'الوسط' وأن ما يقوم به أهل الالتزام والاستقامة هو نوع من التشدد التنطع.
ويجاب عليهم: أن هذا القول يلزم منه رمى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه كان متشددًا- وحاشاه عن ذلك- ويلزم منه أن الصحابة رضي الله عنهم وهو خير القرون كانوا أهل تشدد وتنطع، والحق أن أصحاب هذه المقالة لو أدركوا ما يقولون؛ لما قالوا بها، ولقد قرر العلماء الحد الشرعي للوسطية فقالوا: الوسطية في الإسلام: هي لزوم أوامر الشرع، وترك نواهيه بحسب الوسع، وهو فعل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعليه سبيل السلف رضي الله عنهم: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتابًا إلى عامل من عماله، فقال بعد أن أوصاه بلزوم طريق من سلف:'...فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مَقْصَرٍ وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مَحْسَرٍ وَقَدْ قَصَّرَ قَوْمٌ دُونَهُمْ فَجَفَوْا وَطَمَحَ عَنْهُمْ أَقْوَامٌ فَغَلَوْا وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ...'. والأولى بأصحاب هذا القول أن يعترفوا بتقصيرهم، وأن يشمروا عن ساعد الجد، ويسلكوا سبيل الهداية؛ ليكونوا أمة وسطًا كما أراد الله، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا... [143] [سورة البقرة] .
? انحراف مفهوم 'الدين يسر' عن المراد الشرعي: فإن من الناس من يبرر تقصيره وإضاعته لكثير من الواجبات الشرعية بأن:'الدين يسر' . والبعض يتلاعب بالأوامر الشرعية، فيأخذ منها ويدع بحسب هواه؛ لأن الدين يسر، وتراه يردد قول الله:... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... [78] [سورة الحج] .