فهرس الكتاب

الصفحة 13407 من 27345

تفسير سورة العصر

الجمعة 26 ذي الحجة 1396 / 17 كانون الأول 1976

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

فنحن اليوم مع سورة جديدة من القرآن المكي المبكر ، ولقد كنت في الماضي أحسب أن الحديث عن هذه البواكير أمرًا هينًا لا يستدعي كد الذهن إلى درجة عالية ، حتى اكتشفت في هذه المسيرة أن المسألة لا يقوم بها إلا الأفذاذ من الناس ، وكنت أقدر أن هذا الاكتشاف يكون آخر شيء ، لكن الطريق مليئ بالمفاجآت ، ولقد كشفت أيضًا علاوة على أن هذا الطريق مسعِد هو أيضًا مؤلم ، والله يعلم وحده أنني أواجه هذه المواقف الأخيرة مما تحدثنا عنه قبل أسابيع وما نستأنف الحديث عنه اليوم وبعد اليوم وكأن السكاكين تمزق أحشائي تمزيقًا ، ليس شيئًا مهمًا أنك تسير وتخطئ ، فالخطأ من طبيعة الإنسان ، وجلّ الذي لا يخطئ ، ولكن المؤلم حقًا أن تعرف أنك تخطئ ، ذلك شيء مؤلم .

إن هذه الأمة التي تعيش على هذا الكوكب والتي أكرمها الله بالإسلام وزانها وأعلى قدرها ونوه بذكرها بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ترث أمرًا عظيمًا ، ترث مسؤولية الجنس البشري برمته ، وإنه يكون قدرًا لازمًا أن تظل الإنسانية كلها تخبط في بيداء التيه والضلال والحيرة والضياع إلى أن يأذن الله لهذه الأمة أن تلتقط طرف الخيط لتسير مع هداية الله مبتغية خير البشرية ، ومتى ؟ هنا موضع الألم ، إنه لا شيء مجهول ، فالإسلام بحمد الله واضح ، خاطب الناس يوم كان الناس يقرون على أنفسهم بالجهل والعجز فأفاد منه الناس وفهموه ، كان للعقول نور وكان للأخلاق زكاة ، وعدّل من مسار البشرية تعديلًا جوهريًا . والذي يُعَجّبك من هذا الزمان أن الناس بعد أن اتسعت معارفهم وارتقت مداركهم واستبحرت تجاربهم ما يزالون بعداء جدًا عن الطريق ، لماذا ؟ أهذا الكلام الذي فهمته العرب يوم كانت على جاهليتها يُعجِز الناس أن يفهموه اليوم بعد أن انتشرت هذه العلوم ؟ لا ، وآية ذلك أنك تقرأ الجملة من آيات القرآن على الإنسان الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب فينفعل معها ويتحرك لها ويفهم عنك ، ثم إذا قلت له يا أخا الإسلام انهض وتحرك ، ربطته أثقال الشهوات إلى الأرض فأحس أنه لا يستطيع أن يستقل على قدميه ، إنها الشهوات إذًا ، إنه العمى أو إنه أخطر من العمى ، إنه الضيعة وراء ضلالة قريبة يمكن للإنسان بعزمة صغيرة أن يقضي عليها وأن يتجاوزها .

كلما وقفت أحدثكم شعرت بألم ، أَلَم الذي يدري كل شيء ، ألم الذي يتمثل بقول القائل في الخرافة المشهورة ( في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء ) أعرف كل شيء ، وليس المصيبة أننا نحاول فنخطئ فتلك سنة الحياة ، لكن المصيبة أننا نحاول ونعرف أننا سنخطئ ، تلك مصيبة ضخمة ، تحتاج منا إلى أشياء كثيرة .

هدفنا كله من استعراض بواكير الدعوة أن نُلَوّح أمام أنظار الأمة بصورة الحركة التي قادها محمد صلى الله عليه وسلم فنجح وأفلَحَتْ ، لا نقول نريد أن ننقل تلك التجربة بحذافيرها وبحروفها بالحجم التي كانت به إلى هذا الزمان عبر القرون المتطاولة ، لا ، لكن من فضل الله على الأمة وعلى الإنسانية التي قادها محمد صلى الله عليه وسلم هي جملة قواعد يمكن أن توضع موضع التنفيذ والتطبيق في أية بيئة ، وفي أي زمان ، ومهما يكن المستوى العلمي والثقافي ومهما تكن درجة الحضارة التي توضع في قواعد الإسلام موضع التطبيق فتنجح وتثمر وتؤتي أكلها .

إننا نواجه اليوم سورة صغيرة ، وجيزة الألفاظ ، قصيرة الفواصل ، يقرأها القارئ فتخف على لسانه ، فيسمعها فلا تؤود سمعه ، ولكنها في الميزان عظيمة ، إنها سورة العصر ، يقول الله تعالى ( والعصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) إنها قصيرة ، لكن أمتنا يوم كانت أمة ، ولكن رجال الإسلام يوم كانوا رجالًا ، يوم كانوا يقدرون لهذه السورة قدرها ويعطون مكانتها حقها ، كان الإمام الشافعي يقول فيما صحّ عنه: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم . أي لكفتهم ولأغنتهم عن سائر القرآن . وكان الرجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يلتقيان إذا التقيا فيسلم أحدهم على صاحبه ولا يفارقه حتى يقرأ أحدهما على الآخر هذه السورة ، كالتذكرة والتنبيه على الواجب المترتب على الإنسان المسلم وعلى الأمة المسلمة . وهذا كله يكشف لنا عن درجة التقدير التي حظيت بها هذه السورة ذات الآيات القلائل والفواصل القصيرة ، لكن المثقلة بالمعاني ، الحبلى بالقضايا الخطيرة . هذه السورة لها جوها الخاص ، ومن الظلم لها أن نتحدث عنها معزولة عن جوها الخاص ، لا بد أن نعود إلى الوراء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت