فهرس الكتاب

الصفحة 13406 من 27345

إننا حين نسمع الله يقول ( كلا لا تطعه واسجد واقترب ) ( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهّلهم قليلًا ) وما قاله الله هنا يجب أن نعلم أن الله أراد منا أن نأتي بالمطلوب منا وبالواجب علينا ، ودائمًا الواجب علينا محدود الطريق ، ومحسوب في علم الله تعالى ، تصوّر حينما قامت دعوة الإسلام وبثها عليه الصلاة والسلام في جنبات مكة ، ألم يكن في إمكانه صلوات الله عليه أن يستخدم العشائرية والقبلية وأعراف الجاهلية ؟ وإذا كنتم اليوم ترون القبلية والعشائرية تمد عنقها وتؤثر تأثيرًا بارزًا في مجرى حياة الناس ، فثقوا أن القبلية والعشائرية كانت تفعل هذا مضروبًا وعشرات الألوف ، كانت القبلية تستطيع أن تحسم الأمور ، لكن على كل حال ليس لصالح الإسلام ، بل لتدعيم القبلية والعشائرية . وكان المسلمون يقفون متعجبين مذهولين من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم تجاه الأعداء ، البلاء ينصب عليهم انصباب المطر ، والرسول عليه الصلاة والسلام آخذٌ بحجزهم وممسك بهم كي لا يفلتوا ويوصي بالصبر والثبات ولا يسمح برفع اليد ولا يسمح برد الإساءة ، والله تعالى وصف هذه الحالة العصيبة بأنها حالة تستيئس معها حتى الرسل ، حينئذ يأتي أمر الله ويأتي بالنصر .

لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمح بالعراك والقتال والمهاترة إذًا لضربت هذه النباتات من أول الطريق ، ولكن المسلمين كانوا يأخذون بالعزائم عبادة وأخلاقًا وسلوكًا وتطهيرًا لمسالك الإدراك والفهم ، ومع التقدم تتنامى قواهم وتتصاعد قوى المشركين وهي دائمًا تمشي في خطين متوازيين ، ولكن عمومًا تجد أن الشرك في مواجهة الإسلام يقف عاجزًا باستمرار ، لماذا ؟ لأن المسلم لا يواجه الموقف الجديد إلا بعد أن يكون قد تسلح له بالسلاح الملائم له القادر على أن يتغلب على مشقاته وعقباته .

وبهذا فحينما طُرحت في ميدان التعامل الواقعي نماذج المسلمين التي رُبّيت وصهرت على نار التجربة في مكة .. حينما طُرحت هذه النماذج في بدر وفي أحد وفي سائر معارك الإسلام أثبتت جدارتها وثبت لنا وللناس قاطبة أن الجيش المسلم كان لا يعد بضع ألوف ، وكان يقابل مئات الألوف فيتغلب عليه ويحطمها وينتصر عليها .. لأي سبب ؟ هذا رجل وهذا رجل .. ولكن المسألة في هذا الشوط الطويل الذي قطعه الإسلام وهو يبني هذه اللبنات تربية وبناءً مؤسسين على أمر الله جل وعلا معزولين عن كل العواطف التي تثور في الإنسان حينما يتصدى له الخصوم .

وإذًا .. فالله تعالى حينما يريد منا هذا يريد شيئًا هينًا وداخلًا في طوقنا وإمكاننا ، قم بواجباتك وأدِ التكاليف عليك ، لا شك أنك ستغيظ ناسًا ولكن لا تبالي ، امضِ ، حينما تتصاعد هذه الموجة من الغضب في قلوب الأعداء المارقين عن أمر الله تكون أنت قد بلغتَ طورًا أعلى وهكذا بغير انتهاء . والله تعالى قال ( لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا يُنصرون ) الأعداء حينما تُربى الأمة بهذا الشكل الهادئ المنظم القائم على أمر الله المؤسس على قواعد الحركة بل على قاعدة الحركة الأولى لن يبلغ الأعداء من المسلمين حد الإضرار ، والإضرار ماذا ؟ الإضرار هو أن تضر حتى تلتصق بالأرض فلا تستطيع أن تتحرك ، وأما الأذى فلا بد أن تسمعه ولا بد أن تلاقيه ، فهذا شيء مفروغ ( لن يضروكم إلا أذى ) ولكن حين يجد ( وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) ما أريد قوله باختصار .. نصيحة صادقة من القلب للإخوة جميعًا ، عار علينا أن نخدع أنفسنا ، أما أن نخدع الله فذلك شيء لا سبيل إليه ، عار علينا أن نخدع أنفسنا ، نحن محتاجون إلى مزيد من الصدق مع الله ، محتاجون إلى مزيد من الوفاء لأوامر الله ونواهي الله جل وعلا ، وبغير هذا فلو أن الأبواق زرعت على ظهر كل منزل ، ولو أن أهل الأرض شُقت حناجرهم من النداء فلا نصر ولا تقدم . إن للنصر وللتقدم شروطًا إذا أغفلت كانت الكارثة ، وإذا أعملت كان النصر بإذن الله ، ونحن نرجو الله جل وعلا ألا يخزينا وإياكم وأن يشرح صدورنا بهذا النور العظيم المبين ،نور الإسلام ، وأن يرشحنا وان يؤهلنا لحمل هذه الدعوة ووراثة النبي صلوات الله عليه وخدمة هذه الأمة وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت