د.عبد العزيز القاري 3/3/1424
الجهاد في اللغة بذل الجهد والوسع والطاقة، من الْجُهْد بمعنى الوُسع، أو من الْجَهْد بمعنى المشقة، كلا المعنيين في الجهاد .
وفي الشرع، أو في اصطلاح القرآن والسنة، يأتي بمعنى أعم وأشمل، يشمل الدِّين كله؛ وحينئذ تتسع مساحته فتشمل الحياة كلها بسائر مجالاتها، ولهذا يُسمى حينئذ"الجهاد الأكبر"، وله معنى خاص هو القتال لإعلاء كلمة الله، وهذا يشغل مساحة أصغر من الأولى، ولهذا سُمِّيَ"الجهاد الأصغر"وهو يشبه في هذا"الإيمان"و"الإسلام"لكل منهما معنى خاص ومعنى عام .
الجهاد بمعناه العام يشمل حياة الفرد والمجتمع كلها، بجوانبها المختلفة الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والصراع فيه يشمل أعداء كثيرين، يشمل النفس وشهواتها، والهوى، ووساوس الشياطين كلِّهم؛ شياطين الجن والإنس، ووساوس هؤلاء الشياطين على نوعين: نوع هدفه زرع الشبهات، وآخر هدفه اتباع الشهوات؛ ومكافحة الأول بنشر العلم والعقيدة الصحيحة، ومقاومة الثاني بنشر الفضائل والأخلاق الحميدة وموعظة الناس لتقوية إيمانهم.
وكلُّ من هذا وهذا من الجهاد الأكبر؛ خاصة أن أهل الشبهات وأهل الشهوات أصبحوا اليوم يستخدمون مختلف الوسائل المؤثرة: الإعلامية، والتعليمية، والاقتصادية، وفي غالب الأحيان يتم ذلك بدعم وتخطيط من أهل السياسة والحكم والتنفيذ.
انظر إلى مدى اتساع هذه الجبهة، أليس مصارعة كل ذلك سياسيًا وإعلاميًا، وتعليميًا، مصارعتُهُ بالدعوة، أكبر من المصارعة العسكرية ؟ إن الجهاد بـ"الكلاشنكوف"هو أسهل أنواع الجهاد ، لكنه أكثرها خطرًا.
ولذلك فإن تسمية الأول بـ"الجهاد الأكبر"صحيح المعنى، تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، وإن لم يصح الحديث الوارد فيه بخصوصه (1) .
إن حصر مفهوم"الجهاد"في القتال خطأ في فهم الكتاب والسنة، فإن الجهاد فيهما جاء بمعنى القتال، وجاء بمعنى أكبر من ذلك وأشمل:
قال تعالى: ( فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) [ 52/الفرقان] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( وجاهدهم به ) أي القرآن (2) .
فالجهاد الكبير هنا ليس هو القتال، إنما هو الدعوة والبيان بالحجة والبرهان وأعظم حجة وبيان هو هذا القرآن، إنه حجة الله على خلقه، ومعه تفسيره وبيانه الذي هو السنة.
وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ . . ) [ 73/التوبة ] .
في هذه الآية ليس المراد بجهاد المنافقين القتال، لأن المنافقين يظهرون الإسلام يتخذونه جُنَّةً، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتلهم بل عاملهم بظواهرهم وحتى من انكشف كفره منهم كعبدالله بن أبي بن سلول لم يقتله سياسة منه ، صلى الله عليه وسلم وقال: ( لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ) (3) ولكن جهاد المنافقين يكون بالوسائل الأخرى، مثل كشف أسرارهم ودواخلهم وأهدافهم الخبيثة، وتحذير المجتمع منهم، كما جاء في القرآن .
وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ) [ 69 / العنكبوت]
لا شك أن المراد بالجهاد هنا مفهومه الشامل المتضمن نوعيه الأكبر والأصغر، نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بإسناده عن عباس الهمداني قال في تفسير هذه الآية:"الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون ) (4) ."
فتفسير الآية إذن: ( الذين جاهدوا فينا ) أي جاهدوا في ذات الله أنفسَهم وشهواتِهِم وأهواءَهم وجاهدوا العراقيلَ والعوائقَ، وجاهدوا الشياطين، وجاهدوا العدو من الكفار المحاربين، فالمقصود الجهادُ في معترك الحياة كلِّها، وفي حلبةِ الصراع الشاملِ.
وفي السنة النبوية بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنواع الجهاد بمفهومه الشامل فقال: ( ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤْمَرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن؛ وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (5) .
المراد بجهاد القلب هنا هو بغضهم وبغض حالهم، التي هي عقيدة الولاء والبراء؛ بدونها لا يصير الإنسان مؤمنًا ؛ سمى النبي صلى الله عليه وسلم فعلَ القلب هذا جهادًا، كما سمَّى فعل اللسان جهادًا، ومن باب أولى أن يسمي فعل اليد جهادًا؛ أليس هذا مفهومًا شاملًا للجهاد ووسائله؟
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أجاهد ؟ قال: (ألك أبوان ؟) قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد) (6) .