يتناول الدرس جوانب مهمة تتعلق بمستقبل الدعوة في كافة مجالاتها، فتحدث عن أهمية الإعداد والتخطيط للمستقبل وذكر الشواهد التي تبين أهمية ذلك، وتناول غفلة البعض عن دراسة الواقع، وبين أن دراسة المستقبل له وسائل معينة عند المسلم، ثم تطرق إلى معوقات النظرة الصحيحة للمستقبل وللواقع، وضروة النقد الذاتي وأخيرا كيف ننصر الله .
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا ... أما بعد ,,,
فحين نتحدث عن مستقبل الدعوة الإسلامية ، أو الصحوة الإسلامية ، فإننا لا نتحدث عن طائفة معينة ، أو حركة مخصوصة في نطاق محدود من المكان ، أو لحظات محدودة من الزمان, لكن نتحدث عن يقظة المسلمين في كافة المجالات والأصعدة، نتحدث عن هذا البحر الذي تصب فيه جهود العلماء والفقهاء المخلصين، وتصب فيه جهود الدعاة والمربين، وتصب فيه جهود الشجعان والمفكرين، وتصب فيه جهود الكتاب والشعراء وغيرهم من الداعين إلى الله عز وجل ؛ فهي بلا شك أكبر من أن تكون محصورة في نطاق معين ، أو مكان معين ، أو راية معينة ، أو شعار معين.
و الحديث عن الصحوة ... عن المستقبل لهذا الدين ، أو لهذه الصحوة: فهو كما يقال: 'حديث ذو شجون' .
أهمية التخطيط و الاعداد:
فقد تعلمنا من الكتاب والسنة أهمية التخطيط والإعداد للمستقبل ، وأهمية ترقب الأحداث ومواجهتها بصبر ، ويقظة ، وإيمان فمثلًا: في القرآن الكريم نجد قصة يوسف عليه الصلاة والسلام وضمن هذه القصة نرى ذلك الرجل الذي كان يقول: إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [43] { سورة يوسف . فتنتقل الرؤيا من الملك حتى تقرع سمع يوسف ، فمن خلالها يعبر ما يجري في المستقبل ، وأن الناس يزرعون سبع سنين دأبًا ، ويأمرهم بأن يضعوا هذا في سنبله ويحفظوه ليوم الشدة:} فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ [47] ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ [48] ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [49] سورة يوسف .
فمن هذه القصة نتعلم:
الإعداد للمستقبل: فقد توقع يوسف عليه الصلاة والسلام من خلال هذه الرؤيا وتعبيرها الذي علمه الله تعالى إياه؛ ماذا سيقع في مقبلات الأيام ، ثم أخذ العدة لهذا الأمر الذي توقعه ،وأمر الناس بأن يدخروا ليوم الشدة. وبصفة أوسع وأشمل من ذلك ؛ فإن القرآن الكريم مملوء بالحديث عن السنن الكونية ، والنواميس الاجتماعية التي جعلها الله تعالى جارية في حياة الناس أفرادًا ومجتمعات ؛ بحيث أن المسلم إذا عرف هذه السنن استطاع أن يقرأ المستقبل من خلال الواقع ...كما أن الإنسان يعرف أن النتائج لها أسباب، فإذا أوجد الأسباب ؛ تلمس نتائجها من ورائها بناءً على السنن والنواميس التي وضعها الله تعالى في هذا الكون، وفي تلك المجتمعات, وبينها لنا في القرآن أتم بيان:
أخبار الأمم السابقة قصصها: وما علق الله تعالى على تلك العبر من دروس وآيات ؛ كفيل بأن يجعلنا ننظر إلى المستقبل من خلال الواقع, وأقرب مثال قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [ 96 ] سورة الأعراف .
وقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [ 65 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم [ 66 ] سورة المائدة .
وقوله: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ [ 97 ] أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [ 98 ] سورة الأعراف. إلى غير ذلك من الآيات التي هي عبارة عن: نواميس ، وسنن إلهية من خلال استقراءها في الواقع ؛ نستطيع أن نتوقع ماذا يحدث للأمة إذا عملت بمقتضى هذه النواميس، أو أخلت بها ... فبين هذه النواميس وبين الواقع علاقة وثيقة ؛ هي علاقة: النتيجة بالسبب ، وبينهما ترابط عضوي لا ينفصل بحال .