فهرس الكتاب

الصفحة 25477 من 27345

إذن الفارق جوهري بين المرحلة التي نحياها منذ نزول القرآن (المحفوظ المجيد المكنون) وما قبل النزول، إذ الحل الذي وضعه الله أمام الفتية هو (الرقود) والخروج من المجتمع كحلٍّ ذي دلالات حكمية لما بعد النزول، فالفتية لم يكن يتوفر لديهم لا (تلاوة القرآن) ولا (اصطبار النفس مع الذين يدعون ربهم) ، لذلك كان الحل هو (الفرار من القوم) ، أما بعد النزول فالتلاوة والإصطبار متوفران، لذا فالحل التعويضي لإنسان (مؤمن) ما بعد النزول هو توسيع الصدور بالملجأين (القرآن) و (الإصطبار) ، كذلك أصبحت أسباب (الخروج) و (الانزواء) غير متوفرة ومندثرة تماما، وباعتقادي المتواضع أن هذا الأمر يوضح لنا الفارق الجوهري بين القرآن وكل التجارب النبوية السابقة، وبين الإسلام والديانات السابقة عليه، مما يفتح الطريق اليوم أمامنا لمعايشة تجارب إيمانية غير مسبوقة مبدؤها الأساسي توسيع الصدر والمعاناة مع الواقع.

فنزول القرآن يعتبر إضافة نوعية للعنصرين المكونين لكلية الإنسان وهما (النظر والعمل) ووضعهما في إطار جدلي يتفاعلان في الكون، وهنا أهمية ليلة القدر {ليلة القدر خير من ألف شهر} (القدر: 3) فتأمّل الدلالة المساواتية التالية للزمن (ليلة واحدة = ألف شهر) ، ومما يؤكد ذلك أن الطفرات التاريخية التي نشهد الآن أحد مراحلها المتقدمة لم تظهر إلاّ بعد النزول، فهي إشارة إلى أن كل التطور الذي حصل كان ذا تأثير قرآني واقعي مباشر، فما توقف المسلمين عن العطاء الحضاري وبالتالي بتر الجانب الروحي من التقدّم الإنساني إلا حكمة إلهية تكشف عن أن القرآن (كتجلٍّ لمطلق الحكمة الإلهية يتم تكشفه عبر الزمان) يدعم الوعي الإنساني بسلطة كونية تجعله يستطيع أن يتجاوز ما قد ضيعه الإنسان نفسه ضمن رحلته التاريخية نحو كماله وتحقيق علم الله فيه {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونْ} (البقرة: 30) ، فالعطاء القرآني لم يتوقف بانحطاط المسلمين لكن فاعليته متواصلة عبر التطورات الحاصلة في المجال السنني، كما أنه قادر عند تفاعله بالوعي الصافي له أن يقوم بإحداث ما هو غير متوقع وتفنيد ما هو متوقع، وبالتالي فلا أساس لأي إدعاءات تملي علينا سرديةً تعود بنا إلى عهد ما قبل النزول وهي (لو توقف المتقدمون قرنا من الزمن لما لحق بهم المتخلفون) ، فالقرآن أنزل أساسا للمجاوزة؛ فلو حدث أن تم الوعي به من طرف فرد أو جماعة فستحدث المعجزة حتما تحقيقا للمجموع الدلالي للآيتين {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} و {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاْزدَادُوا تِسْعًا} ، ومنه فإن المعجزة القرآنية ليست محض علمية ولا معرفية، لكنها معجزة وعي تجاوزي يستطيع الإنسان به اختصار الزمن والمكان، وفق الشروط الموضوعية الكونية؛ وهنا سيأخذنا البحث إلى علاقة القرآن بسنن الكون.

الخوارقية هي التي حجبت القرآن عن الوعي وحجبت الوعي عن القرآن، وجعلت منه حبيس التجربة التاريخية للجيل الأول، والخوارقية في مفهومها هي إعتقاد قابع في أذهان الناس (غير المصرح به) مفاده أن أصل القرآن شيء وأصل الكون شيء آخر، أو بما هو انفصال للفكر إلى شطرين، وكأن خالق الكون ومنزل القرآن ليس واحد، وهذا هو عين ومبدأ الشرك

فالقرآن بهذا الفهم لا يعدوا أن يكون سوى إضافة سننية (وليست خوارقية) تتساوق تكامليًا وسننية الكون بشكل تام إلى درجة لا يمكن الفصل بينها إلاّ نظريا لسببين:

1.لكون القرآن هو محض تنزيل للوح المحفوظ.

2.لأن الإنسان حقق الطفرات العلمية (الثورة الجينية ومآلاتها) والتقنية (الثورة المعلوماتية ومآلاتها) والتاريخية (الثورة الفرنسية ومآلاتها) بعد نزول التنزيل.

الخوارقية هي التي حجبت القرآن عن الوعي وحجبت الوعي عن القرآن، وجعلت منه حبيس التجربة التاريخية للجيل الأول، والخوارقية في مفهومها هي إعتقاد قابع في أذهان الناس (غير المصرح به) مفاده أن أصل القرآن شيء وأصل الكون شيء آخر، أو بما هو انفصال للفكر إلى شطرين، وكأن خالق الكون ومنزل القرآن ليس واحد، وهذا هو عين ومبدأ الشرك.

إن القرآن تتمة للخلق لا غير، والتوحيد هو رؤية القرآن والكون انعكاس متكامل للخالق، بمعنى أن القرآن إضافة نوعية للوجود، وليس التوحيد مفهوم تقابلي ساذج يقول بأن الكون هو كتاب الله المنظور والقرآن هو كتاب الله المسطور وكأن القرآن هو تفسير للكون والكون تفسير لقرآن، فلو كان الأمر كذلك فلماذا يثقل الله ـ تعالى ـ الكون الكامل بقرآن كامل، إذ يقول {قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُومِنِينَ} ولم يقل (قيما ليعرِّف به الكون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت