فهرس الكتاب

الصفحة 25476 من 27345

2.عنصرا التغير واللاثبات وهما حال الدنيا ومآلها

بعدها تأتي القصة في البداية مجملة بين الآيات (09-12) ، أولًا جاء (الضرب على آذان الفتية) إستجابة لدعائهم بـ (الرحمة اللدنية) و (الرشاد) ، ولنا أن نلحظ أن دعاءهم جاء بعد أن (آووا إلى الكهف) بمعنى بعد أن يئسوا من قومهم، أي بعد أن بلغت بهم الهوة النفسية بينهم وبين قومهم حدًّا لايُطاق، فلفظ {سنين عَدَدًا} يحمل معنى الزمن الكمي أما لفظ {أَمَدًا} فتحمل معنى الزمن الكيفي النفسي الذي سيكون للحزبين إدراك قيمته {لِيَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} ؛ الحزب غير المؤمن الذي فر منه الفتية والحزب المؤمن الذي عاد إليه الفتية بـ (ورقهم) ؛ و أمرَ معرفته الذي يحمل معناه الكبير لدى الحزبين، فهو ذو دلالات إيمانية عميقة تربط الإنسان غير المؤمن بمستقبله وتربط المؤمن بماضيه.

فتهدف القصة إذن إلى طرح العلاج لهذه الحالة لدى المؤمن، وهذا بعرض نموذج تاريخي هو قصة أصحاب الكهف، والتي يتمحور إشكالها حول طول المدة الزمنية الضرورية لظهور الحق الذي ينادي به أصحابه، وهذا ليحافظ الإنسان الداعية أو المبلغ على جلَده في أدائه الرسالة وعدم يأسه، وأكثر من ذلك تهدف القصة إلى (توسيع صدور المؤمنين)

تم تأتي القصة مفصلة في الآيات (13-22) لتبتدئ بعرض سبب اعتزال الفتية قومهم {هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواْ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} وكان هذا نتيجة للشرخ الحادث بين الفتية وقومهم إذ يمكن تسمية فرارهم (بالمنفى الإختياري) ويعرّج بعد ذلك القرآن لعرض حالة الفتية وكلبهم {وَتَحْسِبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ِذَرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} ، ثم لو تأملنا تساؤلهم وجوابهم حول مدّة رقودهم لاكتشفنا أن مرور الزمن في حال الرقود يشبه الموت الذي لايشعر الإنسان بأي شيء أثناءه {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا اَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ، ليتبين بعد ذلك الحال الإنقلابي الذي عايشوه وهو (ظنهم أن القوم عند رقودهم هم القوم عند استيقاظهم) إلاّ أن الأمر كان مخالفا لما كان مترسخا في أذهانهم، إذ أن ميزانهم قد تغير دون أن يروا أسبابه (لا الإجتماعية ولا حتى الزمنية) فلا شك أن التغيير هنا كان سننيا كما لاشك أن تفكير الفتية كان سننيا، لكن ما لم يكن طبيعيا (وهو مكمن معجزة أصحاب الكهف) هو تلك الحلقة المفقودة لديهم وهي الحلقة نفسها التي أدت إلى العثور عليهم .

وهي تلك الحلقة التي ينبه القرآن إلى تعويضها للمؤمنين والتي يأتي ذكرها مباشرة بعد نهاية القصة مباشرة الآيتين (27-82) من السورة {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاِتِه وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَتَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زينة الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ اغْفَلْنَا قَلْبَهُ عن ذكرنا وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ، فتلاوة القرآن واصطبار النفس مع الذين يدعون ربهم هي سد للثغرة وملء للهوة النفسية الناشئة عن الإنفصال بين (الهدي) و (نفس المؤمن) و (غير المؤمنين) و (تطاول الزمن) .

أما مسألتا (مدة رقودهم) و (عددهم) فقد قام القرآن بتبيان عدم أهميتها {قُلِ اللهُ أًعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} رغم أن الناس يسعون لمعرفتها بالْتِهائهم بهوامش الأمور على أساس {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاّ َمِرَاءً ظَاهِرًا} أي لا يهمك في هذا الأمر سوى ما هو واضح ومعلن عنه، على أن القرآن قام بذكر المدة الزمنية بوضوح وفي آية مستقلّة (25) ، إذ الأمر ليس في عدم أهمية المدة، فهي في القصة قضية مركزية، لكن الإعتراض القرآني كان على الجدل الذي (يبدو أن القوم حاجّوا الرسول(ص) فيه.

البناء الذي تندرج ضمنه حقيقتا الوجود وهما كما بينا آنفا (أصالة الكتاب المنزل) و (أصالة حرية النفس)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت