فهرس الكتاب

الصفحة 12455 من 27345

الدكتور حسان شمسي باشا

مهنة الطب من أشرف المهن شريطة أن يمارس الطبيب مهنته بإخلاص وإتقان ، وأن يلتزم الطبيب بالخلق الكريم .

وعلى الطبيب أن يدرك أنه مهما بلغ علمه ، فإن أسرار الجسم البشري لا يزال أكثرها مغلقا ، ومازال الطب عاجزا عن إدراك العديد من تلك الأسرار .

ويعبر عن ذلك عنترة العبسي بقوله:

يقول لك الطبيب دواك عندي إذا ما جس كفك والذراعا

ولو عرف الطبيب دواء داء يرد الموت ما قاسى النزاعا

ولا يستطيع الطبيب ، مهما أوتي من علم وخبرات ، أن يدفع أمر الله إذا حل بالمريض . وكثير منا يعرف حالات مات فيها الطبيب قبل مريضه ، بل ربما مات بنفس المرض الذي كان يعالج مريضه منه . وفي ذلك يقول الشاعر:

إن الطبيب بطبه ودوائه لا يستطيع دفاع أمر قد أتى

ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يبرئ منه فيما قد مضى

مات المداوي والمداوى والذي جلب الدواء وباعه ومن اشترى

أعرف طبيبا كان يعمل معنا في المستشفى ، كتب في ملف مريضه أن مرضه خطير

وكان المريض مصابا بالسرطان - وأنه ربما لا يعيش أكثر من أشهر معدودات .

ولم تكد تمضي تلك الأشهر المعدودات حتى مات الطبيب بسرطان انتشر في جسمه ، ومرت سنوات وذاك المريض بخير وعافية . تأملت فيما كتب ذلك الطبيب وقلت:

يا سبحان الله !! وتذكرت قول الشاعر:

وكم من مريض نعاه الطبيب إلى نفسه وتولى كئيبا

فمات الطبيب وعاش المريض فأضحى إلى الناس ينعي الطبيبا

وتذكرت قول علي بن الجهم:

كم من عليل قد تخطاه الردى فنجا ومات طبيبه والعود

والأعمار كلها بيد الله . ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) . ولا تعرف من يسبق إلى الموت: الطبيب أم المريض ؟!

ويقول الخليل بن أحمد الفراهيدي مذكرا بالاستعداد لذلك اليوم:

وقبلك داوى الطبيب المريض فعاش المريض ومات الطبيب

وكن مستعدا لدار الفناء فإن الذي هو آت قريب

فإذا ما سمع مريض من طبيبه أن حياته غدت قصيرة ، وأن أيامه أصبحت معدودات ـ فلا ييأسن ولا يقنط من رحمة الله . فما اطلع الطبيب على غيب ، ولا علم أن أحدا يموت غدا ، إنما هو تخمين الطبيب حسب المعطيات العلمية المتوفرة لديه .

الشفاء بيد الله:

أعجبني مثل بلجيكي يقول"الله يشفي والطبيب يؤجر". والله تعالى يقول في محكم كتابه منذ أن خلق الخلق: ( وإذا مرضت فهو يشفين ) .

ويذكر ابن نباته السعدي أن تناول الدواء لا يمنع قضاء الله ، فالشفاء بيد الله وحده:

نعلل بالدواء إذا مرضنا وهل يشفي من الموت الدواء ؟

ونختار الطبيب وهل طبيب يؤخر ما يقدمه القضاء ؟

وما أنفاسنا إلى حساب ولا حركاتنا إلا فناء

ويقول ابن مقلة:

يمنيني الطبيب شفاء عيني وهل غير الإله لها طبيب

ويؤكد الفرزدق ذلك المعنى بأن الشفاء بيد الله وحده لا بمن يعطيك الدواء:

يا طالب الطب من داء تخوفه إن الطبيب الذي أبلاك بالداء

فهو الطبيب الذي يرجى لعافية لا من يذيب لك الترياق بالماء

ولا شك أن كل إنسان ، كائنا من كان ، يلجأ في ساعات اليأس والشدائد إلى الله وحده . يقول الربيع بن خيثم:

فأصبحت لا أدعو طبيبا لطبه ولكنني أدعوك يا منزل القطر

ولا بد من الإشارة إلى أن على الطبيب أن يمنح المريض إحساسا بالأمل والرجاء ، وأن يبعث في نفسه الطمأنينة ، فإن ذلك يساعده على الشفاء من مرضه ، والطمأنينة والسكينة تقوي جهاز المناعة عند المريض ، وتشد من عزيمته ، وترفع معنوياته .

وحديثا صدر كتاب أمريكي للدكتور هربرت بنسون بعنوان Timeless healing يتحدث عن كيف أن الإيمان يقوي مناعة المريض ويقهر الأمراض .

والأطباء - كما يقول أخي وصديقي الدكتور زهير السباعي - يختلفون في تعاملهم مع المريض بمرض ميؤوس من شفائه ..

فهناك من يطمئن المريض ، ويفتح له طاقات الأمل ، ويرجيه بالشفاء ، وقد يكذب عليه أحيانا .

وهناك من يواجه مريضه بالحقيقة سافرة ، ويترك المريض يتفاعل مع الحدث ، على أمل أن يتغلب على المشكلة ويواجهها

وهناك من يداري ويواري ويتخلص من الموقف"."

يقول أبو العلاء ، وهو يسأل أحد الأطباء أن يتريث فلا يخبر المريض بقرب موته ، عسى الله أن يشفيه من مرضه:

نعى الطبيب إلى مضنى حشاشته مهلا طبيب فإن الله شافيه

أجرة الطبيب:

يستحق الطبيب - وكل صاحب مهنة - أجرة على عمله وخدماته . وقد حل الإسلام مسألة أجرة الطبيب حلا عادلا عظيما . قال تعالى: ( وإذا مرضت فهو يشفين )

فالشفاء بيد الله لا بيد الطبيب ، ولذلك فإن أجرة الطبيب على أساس ما يبذل من جهد لا على الشفاء ، لأن الشفاء خارج عن قدرته . ولو جعل الله الشفاء بيد الطبيب ، لما استطاع الإنسان أن يوفي للطبيب أجره ، بل لما استطاعت الحكومات ذلك ، لأن الإنسان لا يقدر بثمن . ولا يحق للطبيب أن يمن على المريض بالشفاء ، وفي ذلك رفع لكرامة المريض .

الأطباء والإيمان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت