فهرس الكتاب

الصفحة 12456 من 27345

والحقيقة أن الأطباء من أكثر الناس اطلاعا على أسرار ذلك المخلوق الذي سخر الله له ما في الأرض جميعا ، ثم دعانا الله للتفكر في تلك الأسرار . قال تعالى:

( وفي أنفسكم أفلا تبصرون )

ويعجب أبو العلاء المعري من إلحاد بعض الأطباء فيقول:

عجبي للطبيب يلحد في الخا لق من بعد درسه التشريحا

ويقول الطبيب الشاعر عزت شندي موسى في ديوانه"مع الله ورسوله":

إن آمن العلماء كان طبيبهم هو أسرع العلماء للإيمان

فلقد رأى الإعجاز في الخلق الذي قد صور الخلاق في الحيوان

فالكبد يقظى حين أنك نائم وتبيت في عمل مع المصران

والعين تبصر في نظام معجز والمخ يعقل ما ترى العينان

والأذن تسمع في اتساق مذهل والعقل يفهم ما تعي الأذنان

فلتؤمنوا بالله ملء قلوبكم هل بعد هذا الكشف من برهان

ولعل من أبلغ القصص التي تروى في تأثير الإيمان على المريض قصة عروة بن الزبير

-وكان من أجل علماء المسلمين - لما أصر الأطباء على ضرورة قطع رجله بعد أن أصيب بمرض فيها . عرضوا عليه الخمر ليسكروه كي لا يحس بألم القطع فأبى ، وقال:

"إني سأدخل في ذكر الله ، فإذا رأيتموني استغرقت فيه فشأنكم بها .. وذكر الله ، فلما رأوه استغرق ، بدأت العملية ، وقطعوا اللحم بالسكين المحمى بالنار ( للتعقيم ) ، حتى إذا بلغوا العظم نشروه بالمنشار ، وهو يهلل ويكبر ، ثم حموا الزيت في مغارف الحديد ، حتى إذا غلى كووه بها فأغمي عليه . ولما أفاق الشيخ من غشيته ، رأى القدم في أيديهم، فأخذ يقلبها وهو يقول: أما والذي حملني عليك ، إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط".

مصارحة الطبيب:

وسواء كان المريض مصابا بمرض في جسده ، أو بهموم في نفسه ، فلا بد أن يشرح ذلك للطبيب . يقول المتنبي:

لا تكتمن داءك الطبيب ولا الصديق سرك المحجوبا

ويقول أبو تمام:

غير أن العليل ليس بمذمو م على شرح ما به للطبيب

ولعل البعض يفضل أن يبث شكواه إلى من أوقد النار في كبده . يقول الشاعر:

يا موقد النار إلهابا على كبدي إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد

فهو الذي كان سبب الداء ، وهو المرجى للشفاء .

غلط الطبيب:

يرى بعض الفقهاء ألا يحاسب الطبيب على الخطأ إلا أن يكون فاحشا ، لا يجوز أن يقع من الطبيب أبدا . والمهم أن يثبت الخطأ باليقين لا بالظن ، وينبغي استشارة ذوي الخبرة في ذلك للتحقق من غلط الطبيب .

قال ابن الرومي:

غلط الطبيب علي غلطة مورد عجزت موارده عن الإصدار

والناس يلحون الطبيب ، وإنما غلط الطبيب إصابة الأقدار

وقال أحد الشعراء في نفس المعنى:

وإذا القضاء جرى بأمر نافذ غلط الطبيب وأخطأ التدبير

وقال صردر يوصي بألا يلام الطبيب إذا ما أدى واجبه ، فالموت داء لا دواء له:

نلوم الطبيب وما جرمه وداء المنية داء عقام

وحدوث الاختلاطات الجراحية أمر معروف في فن الجراحة . وهناك نسب محددة لكل اختلاط من الاختلاطات ، كالتهاب الجرح ، وعدم التحام الكسر ، وحدوث النزف بعد العملية وغير ذلك . ولكن البحتري يرى أن خياطة الجرح دون تنظيف أو تعقيم تفريط من الطبيب:

إذا ما الجرح رم على فساد تبين فيه تفريط الطبيب

نصائح الطبيب:

ومن الناس من لا يستمع إلى نصائح الطبيب ، فينغمس في شهواته من طعام وشراب ، وإذا السقام يقف له بالمرصاد . يقول الشاعر خلف بن فرج الشهير بالسمير - وهو من شعراء الأندلس -:

يا آكلا كل ما اشتهاه وشاتم الطب والطبيب

ثمار ما قد غرست تجني فانتظر السقم من قريب

وقال ابن الرومي:

فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب

وهذا عين الحقيقة ، فإن أكثر الأمراض انتشارا الآن سببها الطعام والشراب ، فكثرة الطعام والشراب سبب للبدانة ، والبدانة سبب لكثير من الأمراض كارتفاع ضغط الدم والسكري وغيرها . كما أن كثيرا من التهابات المعدة والأمعاء التي تحدث يوميا عند ملايين الناس في العالم سببه عادة تلوث في الطعام أو في الشراب .

ويسخر المتنبي من الطبيب الذي يرجع مرضه للشراب والطعام ، ولا يدري أن تحديد الإقامة الذي فرض عليه هو الذي أضر بجسمه وأوهنه:

يقول لي الطبيب أكلت شيئا وداؤك في شرابك والطعام

وما في طبه أني جواد أضر بجسمه طول الجمام

والحقيقة أن ألذ الطعام من لحوم وحلويات ومقبلات غنية بالدهون والكولسترول ، فالإفراط فيها يزيد من كولسترول الدم ، وقد يؤدي إلى تصلب الشرايين وتضيق شرايين القلب التاجية . يقول الشريف الرضي:

فوا عجبا للمرض والداء خلفه ومن حوله الأقدار والموت أمه

يسر بماضي يومه وهو حتفه ويلتذ ما يغذى به وهو سمه

ولكن البعض يرفض الامتثال لأوامر الطبيب ونصائحه بالامتناع عن بعض أنواع الطعام، يقول أبو طالب المأموني وقد أصابه الاستسقاء:

فاحجبوا عني الطبيب وقولوا أنا بالطب والطبيب كفور

هات أين الكباب ؟ أين القلايا أين رخص الشواء أين القدير

أنا لا أترك التديخ ولا البـ ـطيخ والتين أو يكون النشور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت