د. علي بن عمر با دحدح (*) 16/3/1425
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ...
العقل في اللغة: مصدر عقل يعقل عقلًا، وأصل معنى العقل المنع، يقال: عقل الدواء بطنه أي أمسكه، وعقل البعير: إذا ثنى وظيفه إلى ذراعه وشدهما جميعًا بحبل لمنعه من الهرب .
وفي الإصطلاح: يقع بالاستعمال على أربعة معاني:
(1) الغريزة المدركة.
(2) العلوم الضرورية.
(3) العلوم النظرية.
(4) العمل بمقتضى العلم .
منزلة العقل في الإسلام:
الإسلام جعل للعقل مكانة كبيرة في مجال التدبر والتفكر ومجال الاستنباط وعمران الأرض، ووردت الآيات القرآنية بذلك بوجوه مختلفة ومنها:
1-خص الله أصحاب العقول بالمعرفة التامة لمقاصد العبادة:"واتقون يا أولي الألباب" (البقرة 197) .
2-قصر الله الانتفاع بالذكر والموعظة على أصحاب العقول"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب" [يوسف:111] ،"ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون" [العنكبوت: 35] .
3-كرم الله العقل وجعله مناط التكليف فعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قال:"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يعقل"رواه الترمذي (1423) ، وابن ماجة (2042) من حديث عليّ - رضي الله عنه -.
4-ذم الله المقلدين لآبائهم، وذلك حين ألغوا عقولهم وتنكروا لأحكامها:"وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون" [البقرة 170] .
5-حرّم الإسلام الاعتداء على العقل؛ فحرّم المسكر والمفتر،"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" [المائدة 90] ، وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-عن كل مسكر ومفتر"رواه أحمد (26634) ، وأبو داود (3686) ."
6-شدد الإسلام في النهي عن تعاطي ما تنكره العقول وتنفر منه كالتطير والتشاؤم والاعتماد على الكهنة والعرافين والمنجمين، وكذلك النهي عن الرمل والودع والخرافات والأوهام بكل صورها وأشكالها .
وقد اعتمد الإسلام في الوصول إلى المعرفة على طريقين اثنين:
(1) طريق الوحي: وهو الخبر الصادق عن الله الذي بلغنا عن طريق النبوة والأنبياء .
(2) طريق التجربة التي تجمع بين الحس والعقل، وهنا تظهر وسطية الإسلام في الجمع بين النقل والعقل .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية يصور مذهب أهل السنة والجماعة:"العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًا بذلك لكنه غريزة في النفس، وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإذا انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن إدراكها، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما يحصل للبهيمة فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة والأقوال المخالفة بالعقل باطلة"مجموع الفتاوى (3/338) .
وليس للعقل دور في كل العلوم على سواء، فالعلوم ثلاثة أقسام:
(1) العلوم الضرورية وهي التي لا يمكن التشكيك فيها، إذ أنها تلزم جميع العقلاء ولا تنفك عنهم كعلم الإنسان بوجوده وأن اثنين أكثر من الواحد، وكسماء فوقنا والأرض تحتنا إلى غير ذلك مما يسمى بقوانين العقل الضرورية.
(2) العلوم النظرية: وهي التي تكتسب بالنظر والاستدلال، وهذا النظر لابد في تحصيله من علم ضروري يستند إليه حتى يعرف وجه الصواب فيه، ويدخل في هذا القسم كثير من العلوم كالطبيعيات والطب والصناعات، فهذه العقل له مجال رحب في معرفتها وإدراكها والتوسع فيها .
(3) العلوم الغيبية: وهذه لا تعلم بواسطة العقل المجرد وحده، بل لابد للعقل إذا أراد أن يعلمها أن يكون له طريق آخر للعلم به؛ كعلمه بما يكون في البلد القاصي عنه، وعلمه بما في اليوم الآخر من بعث وحساب وجزاء، وهذا لا يعلم إلا عن طريق الخبر، ويدخل في هذا القسم كثير من مسائل الاعتقاد لا سيما التفصيلية منها، فهذه لا يستقل العقل بمعرفتها؛ بل لابد من اعتماده على الوحي . انظر ( الاعتصام للشاطبي 2/318-322) .
هذا الموقف الوسط بخلاف ما عليه أصحاب الفرق الضالة، فمنهم من اعتمد على العقل وأعرض عن الوحي بالكلية كالفلاسفة، أو أسقط حكم الوحي عند التعارض المفترض كما هو حال أكثر المتكلمين، ومنهم من جعل الحق والصواب فيما تشرق به نفسه وتفيض به روحه وإن خالف هذا أحكام العقل الصريحة أو نصوص الوحي الصحيحة كما هو حال بعض المتصوفة . انظر ( منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد(169) .