ولمعرفة حقيقة مجال العقل ومحدوديته؛ فإنني أقول: إن الحواس كلها لها طاقة محدودة مقدرة معينة لا تستطيع تجاوزها فكل حاسة تتجاوز مجال قدرتها لا تصل إلى المراد ويلحقها الضرر، فعلى سبيل المثال: العين تبصر وترى الأشياء لكنها رغم سلامتها لا تستطيع أن ترى الميكروبات الدقيقة رغم أنها موجودة، ولا تستطيع الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية وهكذا، فإنها لها مجال وقدرة محددة، وإذا أرادت أن تخرج عن هذا أصابها الضرر ولم تحقق المقصود، فلو أن إنسانًا أصرّ على أن يعرف حقيقة الشمس بعينه وحدّق فيها في وقت الظهيرة؛ فإنه لن يصل إلى مبتغاه وسوف يضر عينه، وهكذا بقية الحواس كالأذن وغيرها .
والعقل كذلك له طاقة وقدرة محددة ولا يستطيع أن يخضع كل المعارف وحقائقها لقدرته، فإن الناس يؤمنون ويسلمون بأمور لا تدركها حواسهم ولا تحيط بها عقولهم، فعلى سبيل المثال الجاذبية الأرضية تقبلها العقول وإن كانت لا تستطيع معرفة حقيقتها، والكهرباء عبارة عن انتقال الإلكترونات من القطب السالب للموجب لكن تعجز العقول عن معرفة كنه ذلك، وكذلك العقل يرى السراب وتعطيه الحواس أن ما تراه ماءً؛ ولكنه من واقع التجربة ينكر دلالة الحواس، ومثل ذلك القلم إذا وضع في الماء بدا منكسرًا ومتعرجًا وهو ليس كذلك.
ومن هنا فإن العقل له دائرة لا يستطيع أن يخضعها لمجال عمله ومن ذلك أمور الغيب، ويمكننا أن نقول: إن ما دخل في دائرة الغيب خرج من دائرة العقل؛ فعلى سبيل: المثال الميت إذا وضع في قبره ردت إليه روحه وجاءه الملكان فيجلسانه ويسألانه كما هو معروف في نص الحديث الصحيح، فكيف هي عودة الروح؟، ولماذا لا يصيح الميت ويطلب الخروج؟ وكيف يفسح له في قبره مدّ بصره إذا كان من أهل النعيم؟ كل ذلك لا يمكن تفسيره ومعرفته بالعقل، فالعقل مجال عمله دائرة الشهادة وأما الغيب فلا، ومثل ذلك يمكن أن يقال في مثال أقرب؛ وهو مثال الرؤى التي يراها النائم، وكيف نستطيع أن نفسر أن النائم إذا رأى في المنام أنه يجري استيقظ وهو يلهث ؟ ما صلة الرؤية بعالم الشهادة ؟، وإذًا المطلوب في أمور الغيب مادامت جاءت من طريق الوحي أن يقبلها العقل ويسلم بها ولا يخوض في معرفة كنهها، ولو فعل ذلك لما وصل إلى نتيجة ولأضر ذلك بعقله، كما قلنا بشأن العين عندما تحدق في الشمس، وهذا الذي للفلاسفة وغيرهم ممن أرادوا أن يعرفوا بعقولهم ما وراء عالم الشهادة.
وفي ضوء هذا نفهم قوله سبحانه وتعالى:"والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يتذكر إلا أولو الألباب" [آل عمران:7] ، وعلى هذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم، وقفوا بعقولهم عند حدها ولم يخوضوا بها في ميادين الغيب الفسيحة، حيث لم يدخلوا في التفكير في ذات الله، ولا في كنه وكيفية صفاته، وزجروا عن ذلك ومنعوا منه؛ فسلموا من الشكوك والشبهات واطمأنت قلوبهم بالإيمان واليقين.
سئل الإمام ابن خزيمة عن الكلام في الأسماء والصفات، فقال: ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب أئمة الدين، (مثل: مالك، وسفيان، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن يحيى، وابن المبارك، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف) يتكلمون في ذلك وينهون أصحابهم عن الخوض فيه،ويدلونهم على الكتاب والسنة.
وسمع الإمام أحمد شخصًا يروي حديث النزول، ويقول: ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا تغير حال، فأنكر أحمد ذلك وقال: قل كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-فهو أغير على ربه منك .
وقال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول: يفعل الله ما يشاء.
وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه؛ فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء . (أقاويل الثقات ص62،63) .
وقال صاحب الطحاوية:"فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله -عز وجل- ولرسوله - صلى الله عليه وسلم- ورد علم مشتبه عليه إلى عالمه"قال الشارح أي:"سلّم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة...."فالواجب كمال التسليم للرسول - صلى الله عليه وسلم- والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نحمله شبهة أو شكًّا، أو نقدم آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحد بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.
وقال الطحاوي:"ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام"قال الشارح:"أي لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها، ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه".
روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري -رحمه الله- أنه قال:"من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"، وهذا كلام جامع نافع" (شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص216-217-219) ."