فهرس الكتاب

الصفحة 12847 من 27345

والذين يقولون بتحكيم العقل نحاجهم بالعقل نفسه؛ فنقول: إن العقول تقر وتسلم بأن بينها تفاوتًا واختلافًا، في قوتها وقدرتها، فأي عقل هو الذي سيكون المرجع الذي يحتكم إليه عند معارضته للنص؟، ولماذا يسلم لعقل إنسان من البشر ؟، ثم إن العقل نفسه يغير في نظره وحكمه بحسب ما يجدّ له من معرفة أو ما يتوصل إليه بعد المراجعة والتأمل، ومعنى ذلك أننا سنأخذ اليوم قولًا وربما في الغد يأتينا العقل بقول آخر، وهناك أيضًا من خلال تفاوت العقول ستكون لدينا آراء وأقوال كثيرة وهذا يفضي إلى الاضطراب والحيرة، ثم أحيانًا يكون بين آراء تلك العقول متناقضات لا يمكن الجمع بينها، والتجربة تشهد أن الذين خاضوا في تحكيم العقل وتحكّمه في النص ضلوا وبعضًا منهم رجعوا وأقروا بخطأ هذا المنهج ولزوم التسليم للشرع المعصوم .

وأخيرًا فإنه لابد من اليقين بأن ماجاء به الشرع المعصوم هو الكمال المطلق الذي تتحقق به المصالح وتندفع به المفاسد ويتفق مع الفطر السليمة والعقول الرشيدة، وأنه يحق لنا أن نحمد الله -عز وجل- على نعمة الدين والعقل معًا إذا كان عقلنا على منهج الصواب في ديننا، فكل ما حرمه الإسلام شهدت العقول بمضرته وتقدم العلوم يكشف المزيد لكل ذي عقل حصيف، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ومنها تحريم الخمر ولحم الخنزير والربا والسفور والاختلاط، ولا بد أن نسلم ونقتنع بعقولنا أن مخالفة الشرع تحصل بها المفاسد وتتكدر بها الحياة كما قال تعالى:"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا" [طه:124] .

ومن نعمة الله على أهل الإسلام أنه كفاهم أمر الغيب، فأنزل عليهم القرآن وتكفل بحفظه وأرسل إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم- وحفظ سنته فكفاهم أمر الغيب والدين والعبادة حتى لا ترهق عقولهم بالبحث فيما لا تستطيع وحتى تفرغ عقولهم للتفكير في شؤون دنياهم واستخراج خيرات الأرض، قال سيد قطب -رحمه الله-"وما من دين احتفل بالإدراك البشري وإيقاظه وتقويم منهجه في النظر واستجاشته للعمل وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة، وصيانته في الوقت ذاته من التبدد في غير مجاله، ومن الخبط في التيه بلا دليل، ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام". وقال أيضًا:"إن التصور الإسلامي يدع للعقل البشري وللعلم البشري ميدانه واسعًا كاملًا فيما وراء أصل التصور ومقوماته ولا يقف دون العقل يصده عن البحث في الكون، بل يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه دفعًا". (خصائص التصور إسلامي ص 49، 71) ، ومن لطائف ما ذكره الغزالي المتأخر -رحمه الله- أنه ذكر أن الله كفى المسلمين أمر الدين وأمرهم فيه بالاتباع، وفتح لهم أمر الدنيا وأمرهم فيها بالابتداع، لكن بعض المسلمين مضوا في الدين بالابتداع والاختراع، وفي شأن الدنيا اكتفوا بالاتباع لأمم الشرق والغرب دون تطور وإبداع واختراع .

ولذا ينبغي البعد عن خوض العقول في هذه المتاهات الغيبية، بل ينبغي الترفع عن إشغال العقول في المسائل الجدلية التي لا طائل من ورائها، قال البنا -رحمه الله-:"وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعًا ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع"، (رسائل الإمام حسن البنا ص9) .

قال ابن حجر في هذا السياق:"ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع وهي نادرة الوقوع جدًا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى ... وأشد من ذلك في كثرة السؤال البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها... وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة" (فتح الباري 13/267) ، والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت