لقد اشتد أذى المشركين على المسلمين في مكة المكرمة كما تقدم ذكر أمثلة من ذلك, ولقد واجه المسلمون ذلك الأذى بالصبر الجميل , ولكن المشركين أصبحوا يضاعفون من ذلك الأذى كلما تقدم بهم الزمن ورأوا أن كفة المسلمين تعلو شيئا فشيئًا بدخول بعض أشراف أهل مكة في الإسلام .
فلما رأى صلى الله عليه وسلم ذلك وجه أصحابه إلى الهجرة ليسلموا من الأذى وليعبدوا الله تعالى في حرية, وليقوموا بنشر الإسلام في بلاد أخرى , وقد اختار لهم الحبشة لما اشتهر عن حاكمها من العدل والرحمة .
وقد أخرج أهل السير خبر الهجرتين , ومن ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: لما ضاقت مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لايستطيع دفع ذلك عنهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه , لايصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن بأرض الحبشة ملكًا لايُظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه" ( [1] ) .
وذكر ابن هشام عن ابن إسحاق هذا الخبر ولم يذكر إسناده وذكر فيه أسماء العشرة الذين خرجوا في الهجرة الأولى , وقد اصطحب بعضهم نساءهم ( [2] ) .
وأخرج ابن سعد من طريق شيخه محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن الحارث بن الفضيل ورجل من بني ظفر قالا: فخرجوا متسللين سرًّا وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي , ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار, حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار , وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حيث نُبِّئَ رسول الله صلى الله عليه وسلم , وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا ( [3] ) .
وفي هذا الخبر زيادة على ماذكر ابن إسحاق بيان تاريخ هذه الهجرة , ومطاردة قريش لهم وعدم ظفرهم بهم .
وذكر الحافظ ابن حجر أن مخرجهم كان في شهر رجب من السنة الخامسة , ونسبه إلى أهل السير ( [4] ) .
ثم ذكر ابن إسحاق رحمه الله خبر الهجرة الثانية مطولًا من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي , عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:"لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشيَّ , أمِنَّا على ديننا , وعبدنا الله تعالى, لانُؤْذى ولانسمع شيئًا نكرهه ."
فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جَلْدَين , وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة , وكان من أعجب مايأتيه منها الأُدم ( [5] ) , فجعلوا له أدمًا كثيرًا , ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية , ثم بعثوا بذلك عبد الله ابن أبي ربيعة , وعمرو بن العاص , وأمروهما بأمرهم , وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم , ثم قدِّما إلى النجاشي هداياه , ثم سَلاَه أن يُسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم .
قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي , ونحن عنده بخير دار عند خير جار , فلم يبق من بطارقته بطْريقٌ إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي , وقالا لكل منهم: إنه ضَوَى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء , فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا دينكم , وجاؤوا بدين مبتدع, لانعرفه نحن ولا أنتم , وقد بعثَنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم ليردوهم إليهم , فإذا كلمنا الملك فيهم , فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولايكلمهم , فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم, فقالوا لهما: نعم .
ثم إنهما قدَّما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء , فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك , وجاؤوا بدين ابتدعوه لانعرفه نحن ولا أنت , وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي .
قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك , قومهم أعلى بهم عينًا , وأعلم بما عابوا عليهم , فأسْلمْهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم .
قالت: فغضب النجاشي , ثم قال: لاها الله , إذًا لا أسلمهم إليهما , ولايُكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي , واختاروني على من سواي , حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم , فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما , ورددتهم إلى قومهم , وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما , وأحسنت جوارهم ماجاوروني"."