فهرس الكتاب

الصفحة 25037 من 27345

مواقف في هجرتي الحبشة الأولى والثانية(1)

لقد اشتد أذى المشركين على المسلمين في مكة المكرمة كما تقدم ذكر أمثلة من ذلك, ولقد واجه المسلمون ذلك الأذى بالصبر الجميل , ولكن المشركين أصبحوا يضاعفون من ذلك الأذى كلما تقدم بهم الزمن ورأوا أن كفة المسلمين تعلو شيئا فشيئًا بدخول بعض أشراف أهل مكة في الإسلام .

فلما رأى صلى الله عليه وسلم ذلك وجه أصحابه إلى الهجرة ليسلموا من الأذى وليعبدوا الله تعالى في حرية, وليقوموا بنشر الإسلام في بلاد أخرى , وقد اختار لهم الحبشة لما اشتهر عن حاكمها من العدل والرحمة .

وقد أخرج أهل السير خبر الهجرتين , ومن ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: لما ضاقت مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لايستطيع دفع ذلك عنهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه , لايصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن بأرض الحبشة ملكًا لايُظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه" ( [1] ) .

وذكر ابن هشام عن ابن إسحاق هذا الخبر ولم يذكر إسناده وذكر فيه أسماء العشرة الذين خرجوا في الهجرة الأولى , وقد اصطحب بعضهم نساءهم ( [2] ) .

وأخرج ابن سعد من طريق شيخه محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن الحارث بن الفضيل ورجل من بني ظفر قالا: فخرجوا متسللين سرًّا وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي , ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار, حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار , وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حيث نُبِّئَ رسول الله صلى الله عليه وسلم , وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا ( [3] ) .

وفي هذا الخبر زيادة على ماذكر ابن إسحاق بيان تاريخ هذه الهجرة , ومطاردة قريش لهم وعدم ظفرهم بهم .

وذكر الحافظ ابن حجر أن مخرجهم كان في شهر رجب من السنة الخامسة , ونسبه إلى أهل السير ( [4] ) .

ثم ذكر ابن إسحاق رحمه الله خبر الهجرة الثانية مطولًا من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي , عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:"لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشيَّ , أمِنَّا على ديننا , وعبدنا الله تعالى, لانُؤْذى ولانسمع شيئًا نكرهه ."

فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جَلْدَين , وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة , وكان من أعجب مايأتيه منها الأُدم ( [5] ) , فجعلوا له أدمًا كثيرًا , ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية , ثم بعثوا بذلك عبد الله ابن أبي ربيعة , وعمرو بن العاص , وأمروهما بأمرهم , وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم , ثم قدِّما إلى النجاشي هداياه , ثم سَلاَه أن يُسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم .

قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي , ونحن عنده بخير دار عند خير جار , فلم يبق من بطارقته بطْريقٌ إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي , وقالا لكل منهم: إنه ضَوَى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء , فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا دينكم , وجاؤوا بدين مبتدع, لانعرفه نحن ولا أنتم , وقد بعثَنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم ليردوهم إليهم , فإذا كلمنا الملك فيهم , فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولايكلمهم , فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم, فقالوا لهما: نعم .

ثم إنهما قدَّما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء , فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك , وجاؤوا بدين ابتدعوه لانعرفه نحن ولا أنت , وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي .

قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك , قومهم أعلى بهم عينًا , وأعلم بما عابوا عليهم , فأسْلمْهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم .

قالت: فغضب النجاشي , ثم قال: لاها الله , إذًا لا أسلمهم إليهما , ولايُكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي , واختاروني على من سواي , حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم , فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما , ورددتهم إلى قومهم , وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما , وأحسنت جوارهم ماجاوروني"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت