إحسان بن محمد بن عايش العتيبي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
أولًا: يتوهم بعض الناس في آيات الله - تعالى -المعارضة، ويظن بعضهم أن بين آياته - تعالى -تناقضًا، ومما وقع قديمًا وحديثًا: ظن بعضهم التعارض بين قوله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء / 48، 116] مع قوله - تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر / 53] !
والواضح البيِّن أن لا تعارض بينهما، وبيانه:
أن الآية الأولى إنما هي في حكم الآخرة وفي حق من لقي الله - تعالى -بشركٍ لم يتحول عنه إلى إسلام، وبمعصية لم يتطهر منها.
فالأول: وهو المشرك: كتب الله - تعالى -على نفسه أنه لا يغفر له البتة.
والثاني: وهو صاحب المعصية الذي لم يتطهر منها: إنما هو في مشيئة الله - تعالى -إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه.
وأما الآية الثانية: فهي في حكم الدنيا، وهي بشرى من الله لعباده العاصين، بل والمشركين أنه - تعالى -يقبل توبتهم جميعًا في حال تطهرهم منها.
فليست الآية الأولى على ما يتوهمه بعضهم من أنها تشمل الدنيا لأن في ذلك إبطالا لنصوص القرآن والسنة واتفاق المسلمين أن من تاب: تاب الله عليه، وقد قبل الله - تعالى -توبة المشركين من شركهم والكافرين من كفرهم، ومن قال هذا فقد قال بقول سلفه من المعتزلة!
وليست الآية الثانية في الآخرة؛ لأن في ذلك إبطالًا لنصوص الوعيد من القرآن والسنة فضلًا عن اتفاق سلف هذه الأمة أنه لا مغفرة لمشرك يوم القيامة لم يتب من شركه، وفيها إبطال لعقيدة المسلمين أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة أو مؤمنة، فضلًا عن اتفاق المسلمين على هذا خلافًا لمن جهل ساء فهمه كما قال ابن القيم فظن أنها عامة في الدنيا والآخرة.
ويؤيد ذلك: الكتاب والسنَّة:
أما الكتاب ففي آيات كثيرة، منها:
1.قوله - تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان / 68 70] .
وهي واضحة الدلالة على مغفرة الله - تعالى -للذنوب جميعًا ولو كانت شركًا بل إن فيها بيانًا لفضل عظيم وهو تبديل السيئات حسنات.
ومن دعا مع الله إلها آخر فلم يتب منه، ولقي الله به: فله نصيب الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به} .
2.قوله - تعالى - على قول {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء / 137] .
ويؤيد الأول والثاني أحاديث من السنة كثيرة:
1."ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة".
رواه مسلم (2687) .
2.عن عائشة قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الدواوين عند الله - عز وجل - ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله: فالشرك بالله قال الله - عز وجل: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا: فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها؛ فإن الله - عز وجل - يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة. [رواه أحمد (43 / 155) والحاكم (4 / 185) و (4 / 619) ] ."
وفيه: صدقة بن موسى، ضعفه يحي بن معين والنسائي، ولذا ردَّ الإمام الذهبي على الحاكم تصحيح الحديث بقوله: صدقة: ضعفوه، وابن بابنوس فيه جهالة.
قلت: لكن ابن بابنوس وثقه ابن حبان، وقال ابن عدي: أحاديثه مشاهير، وقال الدارقطني: لا بأس به.
انظر"الثقات"لابن حبان (5 / 548) ،"سؤالات البرقاني" (ص 72) ،"الكامل في ضعفاء الرجال" (7 / 278) .
وله شاهد:
عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله: فالشرك قال الله {إن الشرك لظلم عظيم} ، وأما الظلم الذي يغفره الله: فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله: فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين لبعضهم من بعض."