موقد الغاز إيمان مغازي الشرقاوي
بتوجاز ...
لقد امتن الله علينا بآية النار فقال: أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) (الواقعة) . وقد كان الناس قديمًا يستخدمون النار ويطعمونها الحطب والخشب لتكبر وتنمو وتستطيع حمل ما يوضع في بطنها أو يحمل على ظهرها من طعام، وكذلك استخدموا الفحم لنفس الغرض، ولا يزال البعض في أيامنا هذه يشوي على شوّايات وإن تطورت توقد نارها وتستعر بالفحم خاصة في الرحلات البرية.
حينما نطهو طعامنا على نار البوتاجاز ونجد حرارتها لا بد أن نشعر شعورًا رهيبًا نحو تلك النار، ذلك الجندي القويّ من جنود الله، وندرك كيف خدع الشيطان بقوتها أناسًا ضلوا فعبدوها من دون الله وقدموا لها القرابين، ونعرف كذلك السرّ في نهي الله تعالى لنا عن تعذيب أحد بالنار؛ إذ لا يعذب بالنار إلا رب النار مالكها ومسخرها القادر القهار.
وتذكرنا حرارتها بنار جهنم، تلك النار الموقدة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أُوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة" (الترمذي) ، فنستعيذ بالله من شرها ونبتعد عن أسباب دخولها، ونشكره سبحانه أن سخر لنا نار الدنيا وجعلها نافعة.
بوتقة المحن
وحين نفتح الفرن لنخرج ما فيه من طعام نرى نفوسًا صُهرت في بوتقة المحن، وصفيت في مصفاة الابتلاء كالمعادن حين تختبر بالنار، فيظهر منها الغالي والرخيص، والحقيقي والمزيف، والصالح والفاسد، ونجد في طعامنا الذي طيّبته النار وأنضجته، صورة لنفس المؤمن وقد نضجت لتصبح في أفضل حال وأحسن رونق، وذلك حين تطيب وتصفو بعد البلاء، ويخرج صاحبها الصابر من أتون الفتن والاختبار في دنياه نقيًا صامدًا قويًا، بعد أن تحمل لفح نارها وشدة لهيبها، يخرج وقد صُقل جوهره واختبر معدنه وعرف أصله ومخبره، فصار أكثر نفعًا كالطعام بعد نضجه حين يُشبع الجائعين ويسد حاجة المحتاجين ويصير أشهى وأنفع!
والآن وقد علم الله تعالى الإنسان ما لم يكن يعلم، وبعد أن تقدم العلم واقتحمت التكنولوجيا عالم الإنسان وصار لها وجود في شتى المجالات، أبدع الناس في صنع البوتاجازات وتطورت حتى أصبح منها ما يعمل أوتوماتيكيًا وما عليك إلا أن تضع طعامك في الفرن الخاص بالبوتاجاز ثم تضبطه على الوقت الذي تريد أن تطبخ فيه الطعام بالساعة والدقيقة، وهو مبرمج على أن يعمل ذاتيًا، وقد تبع ذلك التطور أن أقبل الكثيرون على التفنّن في عمل المأكولات والحلويات بطرق مختلفة وأساليب متنوعة.
حتى أصبح لتعليم طرق الطبخ وأصوله معلمون ومعلمات وبرامج منتظمة الظهور على شاشات الفضائيات، فصار الإسراف في تناول الطعام سمة من سماتنا إلا القليل؛ نظرًا لضعف النفوس أمام إغراء البطون، وحب التغيير وانفتاح الشعوب واختلاط أكلاتها، وكثرة الإعلانات عن أشهى الوجبات والأطعمة وأنواع الحلوى والمشهّيات، والله تعالى يقول: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين 31 (الأعراف) .
وصرنا نعاني من السمنة وما تتسبب فيه من أمراض ومشكلات، وبدلًا من اتباع الهدي النبوي في مأكلنا ومشربنا اتبعنا طرق ووصفات"الريجيم"التي لن تكون بأي حال كهدي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في الأكل حين قال:"ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (الترمذي) .
سوء استعمال
إن من آفات هذه الأجهزة المريحة لنا سوء استعمالها من بعضنا والإسراف في المباحات المتعلقة بوجودها عندنا وتضييع الوقت الذي توفره لنا في أمور لا تفيد.
إن ضيافتنا الآن فقدت بساطتها وعدم التكلف فيها، ودخلها هي الأخرى ما يدخل النفس من حب الشهرة والظهور، والفخر والتباهي والمغالاة، ففقدت أجمل ما فيها وهو الجود بالموجود، ورفع الكلفة بين الأحبة والإخوة والأصدقاء من جانب الضيف والمضيف على السواء، حتى أصبحت عبئًا ثقيلًا على ربة البيت ورب الأسرة. ولا أقصد بذلك أن يكون المرء بخيلًا، فليس الكرم في شيء مما ذكرناه، بل إنه أحيانًا يلقي بعضنا ببقية الطعام في سلة المهملات وكان الأولى به أو بثمنه، أن يعطيه لفقير أو محتاج.
الرسول القدوة
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:"إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار" (البخاري) .
وتقول:"ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم" (مسلم) .. فلقد كانوا يعيشون على التمر والماء، مع أنه عليه السلام يقول:"سيد طعام أهل الدنيا، وأهل الجنة اللحم" (ابن ماجه) ، ومع ذلك فلم يكن يأكل منه إلا قليلًا، وينهى عن كثرة أكله ويقول:"إن للقلب فرحة عند أكل اللحم، وما دام الفرح إلا أشر وبطر، ولكن مرة ومرة" (الترمذي) .