فهرس الكتاب

الصفحة 6690 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

تمهيد:

لقد كثر الحديث عن حقوق الانسان وصدرت وثائق وبيانات كثيرة وذكرنا اهم مآخذنا على تلك الوثائق ، وبالنسبة للاسلام فانه هو الذي قدم البيان العالمي الاول لحقوق الانسان مرتبطة بمسؤولياته ، لترتبط الحقوق والمسؤوليات في منهاج متماسك ، ليعلن ذلك الانبياء والمرسلون في رسالة ربانية ختمت برسالة محمد r فاصبح المنهاج الرباني - قرآنًا وسنة ولغة عربية - البيان الحق الكامل لحقوق الانسان ومسؤولياته.

واذا ذكرنا صورًا ونماذج لمسؤوليات الانسان وحقوقه ، فلا نعني ان ماذكرناه كان كاملًا ، فانه يتعذر ان نورد هنا جميع حقوق الانسان ومسؤولياته كما فصلها منهاج الله ، وانما ندعوا الناس ليعودوا إلى منهاج الله ليجدوا فيه البيان الحق الكامل ، مما لايجدونه في سواه ابدًا.

ولكن الوثائق التي أعلنت والبيانات التي صدرت كانت تدعي انها كاملة توفي الانسان حقوقه ، واذا ذكرنا بعض النقائص والمآخذ على تلك البيانات والوثائق ، فإننا نشير هنا إلى اكبر مآخذنا على تلك الوثائق ، حين أهملت أهم حق للانسان ، الحق الذي تقوم عليه سائر الحقوق والمسؤوليات وتنبع منه ، إنه الحق الأول للانسان والحق الأكبر ، إنه حماية (فطرة الانسان) حماية فطرته التي فطره الله عليها ، حمايتها من أن تلوث أو تشوه أو تنحرف ثم رعايتها.

حين نعود إلى حديث رسول الله عن الفطرة ، ندرك اهمية هذا الحق وخطورته ، وتتأكد لنا هذه الأهمية حين نجد ان الحديث الشريف ، شأنه شأن سائر الاحاديث الشريفة ، نابعة من القرآن الكريم مرتبطة به.

الفطرة ومسؤولية الوالدين والمجتمع والأمة:

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . اقرأوا .. فطرة الله التي فطر الناس عليها … الآية ) .

ولنتدبر الآيات الكريمة التي صدرت عنها هذا الحديث الشريف.

{ فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولاتكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون } الروم:30-32

إن الله فطر الناس جميعهم على فطرة واحدة سليمة تكفل لهم الحياة الطاهرة السعيدة ، لتكون هذه الحياة الدنيا دار إبتلاء وتمحيص ، وممرًا إلى الحياة الحقيقية في الدار الآخرة ، وكذلك لتكون هذه الفطرة أساسًا يعين الانسان على الوفاء بمسؤولياته في الحياة الدنيا والتمتع بحقوقه ، مع ما هيأ الله لعباده من أسباب اخرى: الآيات المبثوثة في الكون وفي نفس الانسان ، الدالة على الله الذي لا إله إلا هو ، والرسل والأنبياء الذين يبلغون رسالة الله ويُذكّرون ، والسمع والبصر والفؤاد لتكون هذه أجهزة الاستقبال التي يستقبل بها الانسان آيات الله من الكون وهو يتأمل ويتدبر ، وأيات الله التي يبلغها الرسل والانبياء حتى لايكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

وإن قدرة السمع والبصر والفؤاد على الاستقبال والادراك والوعي تعتمد على سلامة الفطرة ، ولذلك جاء الحديث الشريف ليبين مسؤولية الوالدين أولًا في حماية الفطرة ، ومسؤولية الوالدين ليست مسؤولية معزولة عن واقع الحياة ، فواقع المجتمع والأمة كله يؤثر في سلامة الفطرة أو انحرافها ، ولكن أثر المجتمع والعوامل المتوفرة فيه يصب في البيت في الاسرة ، حيث يتحمل الوالدان معًا ، الرجل والمرأة ، الزوج والزوجة ، مسؤولية حماية فطرة أبنائهم ، انها ليست مسؤولية اسرة واحدة ، إنها مسؤولية الآباء والأمهات جميعهم في المجتمع ، انها مسؤولية خطيرة سيحاسبون عليها بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ، وانها مسؤولية شديدة التأثير في واقع الأمة في الحياة الدنيا ، وبذلك تمتد المسؤولية إلى جميع العاملين في مختلف المستويات:

فعن ابن عمر عن النبي انه قال: (( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم ، وعبدالرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ) [رواه الشيخان والترمذ]

وهكذا تمتد المسؤولية في الأمة من ادنى مستوياتها إلى اعلاها ، وجميع هذه المسؤوليات تصب آثارها في البيت ، في الأسرة ، حيث يتولى الوالدان الرعاية المباشرة هناك ، فذكر الوالدين في الحديث الشريف ومسؤولياتهما لاتنفي سائر المسؤوليات والقوى المؤثرة في الأمة من معاهد التربية ومراكز الاعلام وسائر المؤسسات.

وحين تنحرف هذه القوى تنعكس اثارها على الزوجين ، ثم على الابناء ، لتنحرف بذلك فطرة الأبناء إلى النصرانية أو اليهودية أو المجوسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت