وتأتي الآية الكريمة لتؤكد أهمية الفطرة الثابتة التي فطر الله الناس عليها ، انها فطرة واحدة لاتتبدل في أسسها: ( لاتبديل لخلق الله ) وكيف تتبدل هذه الفطرة وهي رحمة من الله على عباده ، رحمة واسعة ، ثم تبين لنا الآية الكريمة أهم الوسائل والركائز الضرورية لحماية الفطرة: الإنابة إلى الله ، والتقوى ، وإقامة الصلاة وسائر الشعائر التي فرضها الله ، ان هذه هي أسس الحماية ، فان ضعفت أو تخلخلت أو ذهبت أثر ذلك كله على سلامة الفطرة.
وتبين لنا الآية الكريمة وكذلك الحديث الشريف نتائج انحراف الفطرة في الواقع: الإشراك بالله: ( ولاتكونوا من المشركين ) ، و ( أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) وكذلك تفريق الدين حتى ينقسم الناس شيعًا واحزابًا يحارب بعضهم بعضًا ، ويفرح كل حزب بما لديه ، وتشتد الفتنة وتضعف الأمة ويهون أمرها في الحياة الدنيا ، وتنال غضب الله وعقابه في الدنيا والاخرة ، اذا لم تتدارك نفسها بالتوبة والانابة والتقوى وإقامة شعائر الدين وسائر قواعده ، لتكتون امة مسلمة واحدة ، صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص.
ان انحراف الفطرة خطر كبير على الفرد والامة والمجتمع الانساني ، ومن هذا الانحراف تنطلق المفاسد في الارض ، وتمتد الفتن ، وتثور الاهواء والشهوات والمصالح المتصارعة ، وتنافس الدنيا ، تحت جميع الشعارات المحببة إلى النفوس ، المزخرفة للفتنة ، من سلام ووطنية وقومية ودين.
إن الله سبحانه وتعالى زود الفطرة السليمة بوسائل التحكم والموازنة والتوجيه ، فاذا انحرفت الفطرة تعطلت هذه الوسائل فاختل التحكم واضطربت الموازنة وضاع التوجيه.
لهذا كله كانت حماية الفطرة على سلامتها كما خلقها الله أكبر حق للإنسان ، وأول حق لله ، وهي مسؤوليته ان يطالب بها ولاتنازل عنها ، وان يجاهد في سبيل ذلك ، وهي كذلك مسؤولية جميع مستويات الامة ومؤسساتها ان تخطط لذلك بوسائل التربية ومناهجها ، والقوانين وتوجيهها ، ووسائل الاعلام ، وغير ذلك.
القوى التي تعمل في الفطرة: أولها الايمان والتوحيد:
ولندرك خطورة الامر بصورة اكثر وضوحًا ، فاننا نشبه الفطرة ونعتبرها مستودعًا اودع الله فيها مايشاء من قوى وميول وغرائز ، مما عرفنا سبحانه وتعالى ببعضها وجهلنا بعضها الاخر.
إن اهم ماغرسه الله سبحانه وتعالى في الفطرة هو الايمان والتوحيد ، وشهادة ان لا اله الا الله ، وشهادة أن محمدًا رسول الله: اما بالنسبة لشهادة أن لا إله إلا الله ، فهي جلية ثابتة في الآية من سوة الاعراف وفي الحديث الشريف:
(( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدتهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون * وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ) )
الاعراف: 172-174
ويأتي الحديث الشريف ليبين هذه الحقيقة الهامة أيضًا:
فعن أنس عن النبي أنه قال: ( يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة ، أرأيت لو كان لك ما على الارض من شئ أكنت مفتديًا به ؟ فيقول: نعم ! فيقول الله:( كذبت قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لاتشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك) . رواه أحمد والشيخان.
هذا بالنسبة لشهادة: أن لا إله إلا الله ، أما شهادة: أن محمدًا رسول الله ، فنجدها في الآية الكريمة من سورة آل عمران عهدًا موثقًا أخذه الله من الأنبياء والرسل جميعًا ليكون جزءًا من رسالتهم ودعوتهم:
( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقرتم وأخذتكم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) .
آل عمران: 81
وهكذا ثبتت الشهادتان عهدًا وميثاقًا بين الله وعباده ، وبين الله ورسله ، أساسًا للايمان والتوحيد ، أساسًا مغروسًا في الفطرة السليمة.
إن الإيمان والتوحيد مغروسان في الفطرة تشهد عليهما الآيات المبثوثة في الكون والأيات التي يأتي بها الرسل وحيًا من عند الله ، وتظل الفطرة السليمة قادرة على استقبال هذه الايات بالسمع والبصر والفؤاد ، وفي الفطرة قوى أخرى مغروسة برحمة من الله: كالحب والكره والشجاعة والجبن ، والشهوات والغرائز ، وقوة التفكير وقوة العاطفة ، وما يضع الله في عبد من عباده من مواهب وقدرات ، يتميز بها إنسان عن إنسان ، ويكون الايمان والتوحيد كالنبع الصافي ، يروي جميع مافي فطرة الانسان من ميول وغرائز وقوى ريًا عادلًا متوازنًا ، وكذلك يكون الايمان والتوحيد في فطرة الانسان كالمصفاة ، تنقي مايدخل إلى الفطرة من تجارب وخبرة من الواقع ، أو علوم أو زاد يكتسبه في هذه الحياة الدنيا.