فهرس الكتاب

الصفحة 12197 من 27345

قدّم بعض المستشرقين جملة من النظريات المنحرفة لتفسير النهضة التي قامت بين العرب وظهور الدولة الإسلامية ، وحاولوا جاهدين أن يلغوا الصبغة الدينية لهذه الحركة التاريخية ، وقد أفضى بهم ذلك إلى جعل الإسلام مجرّد ثورة للفقراء ضد الأغنياء ، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أكثر من مصلح اجتماعي أراد أن يعزّز القيم الفاضلة في المجتمع الذي نشأ فيه ، والذي كان يموج بمظاهر التخلف والفساد الأخلاقي والاجتماعي ، فلم يجد أفضل من الدعوة إلى دين جديد ، وأن يتقمّص - بزعمهم - دور النبي المبعوث من رب العباد.

وقامت نظرية أخرى مغايرة ، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلًا يطمح إلى الملك والسيطرة على مقاليد الأمور ، فوضع لنفسه خطة تعتمد على تجميع الناس من حوله والتغرير بهم من منطلق هذا الدين الجديد ، وساعدته في ذلك الظروف الاجتماعية التي وُجد فيها ، حيث كان الناس في أمس الحاجة إلى نظام يلمّ شتات العرب ، ويجمعهم على كلمة واحدة ، بعد أن أنهكتهم الحروب ، وذاقوا مرارة الفقر والحرمان ، وهكذا التفّ العرب حوله وانضمّوا تحت لوائه ، وقبلوا دعوته التي أتى بها .

ومن المعلوم أن الدعوة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم تشمل ما ذكروه من جوانب السياسة والإصلاح ، لكن المشكلة تكمن في الاقتصار على هذه الجوانب ونزع الطابع النبويّ منها ، وإلباسها ثوبًا ماديّا مجردًا .

ولتعرية هذه الآراء المنحرفة وبيان بطلانها ، سنقوم بعرض هذه الآراء على الواقع التاريخي وفق ما يقتضيه المنهج العلمي ، ثم لننظر هل سيسعفهم ذلك في الوصول إلى رؤيتهم المادية أم لا ؟ .

هل كان النبي صلى الله عليه وسلم مصلحًا سياسيًا ؟

أولا: إن اتصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحزم والثبات ، وعدم تقديم أية تنازلات لينفي قطعا مثل هذا الادعاء ؛ إذ إن من صفات السياسيين أن يدوروا في فلك مصالحهم الشخصية ، وما يقتضيه ذلك من الاتصاف بالمرونة في التنازل عن بعض الثوابت أو شيء من المباديء .

لكن الشأن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على النقيض من ذلك ، ولذلك نجد موقفه واضحًا من الأعرابي الذي قدم إليه ليبايعه ، كما رواه الحاكم في مستدركه والبيهقي في سننه عن ابن الخصاصية رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه على الإسلام ، فاشترط علي: ( تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وتصلي الخمس وتصوم رمضان ، وتؤدي الزكاة وتحج البيت ، وتجاهد في سبيل الله ) ، قال: قلت: يا رسول الله ، أما اثنتان فلا أطيقهما: أما الزكاة فما لي إلا عشر ذود هن رسل أهلي وحمولتهم ، وأما الجهاد فيزعمون أنه من تولّى فقد باء بغضب من الله ؛ فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي ، قال: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها ، ثم قال: ( لا صدقة ولا جهاد ؟ فبم تدخل الجنة ؟؟ ) قال: ثم قلت يا رسول الله ، أبايعك . فبايعني عليهن كلهن"."

كذلك يستوقفنا ما رواه الإمام أحمد وابن حبان وغيرهما عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه ، أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ، يقول الصحابي الجليل:"وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ، ويعلقون بها أسلحتهم ، يقال لها"ذات أنواط"، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة ، فقلنا: يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى ) : { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } ( الأعراف: 138 ) ."

ويتضح من ذلك الموقف وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى بالحلول الوسطية ، أو الالتقاء في منتصف الطريق ، وذلك نابع من طبيعة الهدف الذي بُعث لأجله ، إنه رسول من الله تعالى إلى الناس جميعًا ، ومهمته هي تبليغ الإسلام إلى الناس كما هو ، فليس في يده أن يقبل مناهج مقترحة أو أفكارًا بديلة عن الشرع الإلهي،أو أن يبدل أو يغير شيئا مما أمره الله بتبليغه، وذلك أمر في غاية الوضوح .

ثانيا: إن ميول الإنسان ومعالم شخصيته تتضح في وقت مبكر من حياته ، وهذه الميول تتنامى لتكوّن القالب الذي يميّز الفرد عن غيره ، ولنضرب مثلا فلو أن رجلا نشأ في بيت زعامة سياسية ، وأبوه أحد أكبر الزعماء في زمانه ،يقينا سيتأثر الولد بهذا الجو وستظهر فيه سمات النفس القيادية ؛فالإنسان ابن بيئته كما يقولون .وإذا نظرنا في سيرة الرسول ونشأته لوجدنا أنه قد متواضعًا خفيض الجناح ، راعيًا للغنم - لا الإبل -، وانظر وتأمل هذا النبي الكريم لما رأى رجلًا مقبلًا يرتعد رهبة منه ، فقال له: ( هوّن عليك ؛ فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت