فهرس الكتاب

الصفحة 7708 من 27345

نزار محمد عثمان*

مدخل:

يلعب الإعلام في عصرنا دورًا هامًا في صياغة الأفراد والمجتمعات، ذلك أنه أصبح أداة التوجيه الأولى التي تَرَاجَع أمامها دور الأسرة وتقلص دونها دور المدرسة، فأصبحت الأسرة والمدرسة في قبضة الإعلام، يتحكم فيها..توجيهًا للأدوار.. ورسمًا للمسار... ولما كان التلفاز يقدم المادة المرئية والمسموعة والمقروءة معًا.. كان أكثر وسائل الإعلام نفيرًا، و أعظمها تأثيرًا، ولما كانت الطفولة ناشدة للهو والترفيه، قابلة للانقياد والتوجيه، وجدت في التلفاز بديلًا مؤنسًا عن أُمٍّ تخلت أو أبٍ مشغول (1) ، فأصبحت"مشاهدة التلفزيون ثاني أهم النشاطات في حياة الطفل بعد النوم" (2) ، بل أثبتت إحدى الدراسات أن نسبة 30% من أطفال أحد أكبر المدن الإسلامية من حيث عدد السكان (3) يقضون أمام شاشات التلفزيون وقتًا أطول مما يقضونه في مدارسهم:"عندما يكمل الطفل دراسته الثانوية يكون قد قضى 22 ألف ساعة من وقته أمام شاشة التلفزيون و11 ألف ساعة فقط في غرف الدراسة" (4) ، كما بينت الدراسة أن الرسوم المتحركة تمثل نسبة 88% مما يشاهده الأطفال (5) .

إن أهمية دراسة أثر الرسوم المتحركة على الأطفال لا تأتي فقط من كونها تشكل النسبة الأعلى لما يشاهدونه، بل تأتي كذلك من أن قطاعًا كبيرًا ـ من الآباء الملتزمين والأمهات الصالحات ـ لا ينتبه لخطورة أثرها على الأطفال، فيلجأ إلى شغل أوقات الصغار بها هربًا من عُري الفضائيات وتفسخها والتماسًا لملاذ أمين و حصنٍ حصين.. يجد فيه الأمن على أبنائه، وتأتي كذلك من سرعة تفاعل الأطفال مع مادتها وشدة حرصهم على متابعتها.. وزيادة ولعهم بتقليد أبطالها،"إن أشرطة الأطفال وخاصة الرسوم المتحركة تعمل عملها في تلقين الطفل أكبر ما يمكن من معلومات، وأشرطة الفيديو والتسجيلات تنفذ محتوياتها إلى سمع الطفل وفؤاده وتنقش فيه نقشًا (6) ، والطفل يأخذ ويتعلم ويتفاعل بسرعة مذهلة،"إن حصيلة ما يتلقفه الطفل من معلومات ما بين ازدياده ـ أي بعد الفطام ـ إلى سن البلوغ (الرابعة عشرة) تفوق كل ما يتلقاه بعد ذلك من علم ومعرفة بقية عمره مهما امتد عشرات السنين" (7) ، إذا وضعنا هذا في الحسبان، فلا عجب أن يعتبر كثيرٌ من علماء الاجتماع تجارب الطفولة محددًا أساسيًا من محددات السلوك البشري."

أولًا: إيجابيات مشاهدة الرسوم المتحركة:

إن مشاهدة الرسوم المتحركة تفيد الطفل في جوانب عديدة، أهمها أنها:

[1] تنمي خيال الطفل، وتغذي قدراته (8) ، إذ تنتقل به إلى عوالم جديدةلم تكن لتخطر له ببال، وتجعله يتسلق الجبال ويصعد الفضاء ويقتحم الأحراش ويسامر الوحوش، كما تعرفه بأساليب مبتكرة متعددة في التفكير والسلوك.

[2] تزود الطفل بمعلومات ثقافية منتقاة وتسارع بالعملية التعليمية (9) : فبعض أفلام الرسوم المتحركة تسلط الضوء على بيئات جغرافية معينة، الأمر الذي يعطي الطفل معرفة طيبة.. ومعلومات وافية، والبعض الآخر يسلط الضوء على قضايا علمية معقدة ـ كعمل أجهزة جسم الإنسان المختلفة ـ بأسلوب سهلٍ جذاب، الأمر الذي يكسب الطفل معارف متقدمة في مرحلة مبكرة.

[3] تقدم للطفل لغة عربية فصيحة ـ غالبًا ـ، لا يجدها في محيطه الأسري، مما ييسر له تصحيح النطق وتقويم اللسان وتجويد اللغة، وبما أن اللغة هي الأداة الأولى للنمو المعرفي فيمكن القول بأن الرسوم المتحركة ـ من هذا الجانب ـ تسهم إسهامًا مقدرًا غير مباشر في نمو الطفل المعرفي.

تلبي بعض احتياجات الطفل النفسية و تشبع ـ له ـ غرائز عديدة مثل غريزة حب الاستطلاع؛ فتجعله يستكشف في كل يوم جديدًا، وغريزة المنافسة والمسابقة فتجعله يطمح للنجاح و يسعى للفوز.

ثانيًا: سلبيات مشاهدة الرسوم المتحركة:

لمشاهدة الرسوم المتحركة سلبيات عديدة أهمها:

[1] سلبيات التلفاز: بما أن التلفاز هو وسيلة عرض الرسوم المتحركة؛ فمن الطبيعي أن تشارك الرسوم المتحركة التلفاز سلبياته والتي من أهمها:

(1) التلقي لا المشاركة: ذلك أن التلفاز يجعل الطفل"يفضل مشاهدة الأحداث والأعمال على المشاركة فيها" (10) ـ خلافًا للكمبيوتر الذي يجعل الطفل يفضل صناعة الأحداث لا المشاركة فيها فقط ـ ولعل هذا الأثر السالب لجهاز التلفاز هو الذي يفسر لنا لماذا قنع الكثيرون ـ في أمتنا الإسلامية ـ بالمشاهدة دون المشاركة.

(2) إعاقة النمو المعرفي الطبيعي (11) : ذلك أن المعرفة الطبيعية هي أن يتحرك طالب المعرفة مستخدمًا حواسه كلها أو جلها، ويختار ويبحث ويجرب ويتعلم (قل سيروا في الأرض فانظروا.. ) ، لكن التلفاز ـ في غالبه ـ يقدم المعرفة دون اختيار ولا حركة، كما أنه يكتفي من حواس الطفل بالسمع والرؤية، ولا يعمل على شحذ هذه الحواس وترقيتها عند الطفل، فلا يعلمه كيف ينتقل من السماع المباشر للسماع الفعّال، من الكلمات والعبارات إلى الإيماءات والحركات، ثم إلى الأحاسيس والخلجات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت