الدكتور / علي المطرفي قسم الاستشراق - كليةالدعوة فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - المدينة المنورة 7/7/1423
يشترك اليهود والنصارى في خلفية دينية واحدة تشكل جزءا مهما من العلاقات بينهما وإن اختلفت تفاصيلها بين اليهود وبين النصارى أو بين فرق النصرانية نفسها. وهذه الخلفية الدينية مرتبطة بتفسير جزء كبير مما جرى في الماضي وما يجري اليوم في فلسطين من اليهود والنصارى ، بل إنها مرتبطة ارتباطا كبيرا بمستقبل العلاقة مع الغرب ، ولاسيما ما يتعلق بدعمه لإسرائيل ، وردود أفعاله ومواقفه من الأزمة في فلسطين ، ومن إخواننا الفلسطينيين والمسلمين بعامة.
والحديث هنا هو عن بيان أسس هذه الخلفية الدينية المؤثرة في الغرب النصراني من خلال مسلمات النصارى أنفسهم ؛ لمعرفة كيف يفكرون من خلال ما يؤمنون به ؛ وليطلع الكثير من مثقفي العالم الإسلامي وسياسيه على مصادر أهل الكتاب ومواردهم الحقيقية فيما يتعلق بفلسطين بخاصة والدول العربية والإسلامية بعامة؛ وليعلموا أنها مصادر دينية تنبع من توراتهم وأناجيلهم المحرفة؛ وليتبينوا أن أهل الكتاب مستمسكون بدينهم المحرف المنسوخ وإن زعموا - تضليلا ومكرا - غير ذلك0
إن هذا الإرث الديني المشترك بين النصارى و اليهود أو العقائد النصرانية المتهودة بعامة والبروتستانتية المتصهينة بخاصة وقفت و تقف خلف الدعم الغربي لليهود ولإسرائيل منذ ما قبل قيامها وإلى اليوم ، إلا أنها ازدادت تمكنا في قلوب النصارى مع مرور الوقت ، ومشاهدة ما يزعمون انه واقع معاش يصدق نبواتهم التوراتية والإنجيلية المزعومة0
و على كل فالمعروف أن البايبل أو الكتاب المقدس عند النصارى يتكون من قسمين هما: العهد القديم ( أو التوراة الحالية تجوزا ) والعهد الجديد ( أو الأناجيل ) . فالعهد القديم عندهم هو: مجموعة من الأسفار التي يرى أهل الكتاب أنها وحي إلهي على نحو عام . بل هناك من يرى أنها وحي باللفظ والمعنى . وتبلغ عدد أسفاره عند البروتستانت من النصارى ( 39) سفرا متبعين في ذلك اليهود العبرانيين ،أما الكاثوليك والأرثوذكس فيرونه ( 46 ) سفرًا 0 وعلى نحو عام يعده النصارى كاليهود وحيا إلهيا بكل ما يؤدي إليه ذلك من: الإيمان بصحة نصوصه ، والسعي لاتباع الكثير من عقائده ، وتصديق نبواته، والدفاع عنها عن عقيدة وإيمان . أما العهد الجديد أو الأناجيل فهي تخص النصارى وحدهم حيث يكذبها اليهود جملة وتفصيلا
وإن من النصوص الإنجيلية التي يرون إنها غرست إيمانهم بالعهد القديم ما ينسب إلى عيسى عليه السلام أنه قال: (( لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس [ توراة موسى علية السلام ] أو الأنبياء [ أسفار أنبياء بني إسرائيل الآخرين ] ما جئت لأنقض بل لأكمل ) ) (1) ولا شك أن الإنجيل الحق مكمل للتوراة الصحيحة ، ولعل هذا من الروابط التي بقيت بعد تحريفهم لكتبهم ، لكن الواقع أن كلا الكتابين خاص ببني إسرائيل ، فلا يدخل في ذلك اليونان ولا الرومان أو غيرهم ؛ لكن لما حرف اليهود الإنجيل عن طريق بولس وغيره كان مما ادخلوا فيه من عقائد يريدون بها إفساد الإنجيل وإبعاده عن أن يكون موجها لهم و ضد مصالحهم المختلفة: عالمية النصرانية ؛ و الواقع أن ذلك أدى إلى ربط النصارى من الأمم الأخرى بالتوراة المحرفة المملوءة بتمجيد اليهود وتفضيلهم ومحبتهم ووجوب خدمتهم... إلى غير ذلك مما سيمر بنا إنشاء الله .
وعلى كل أصبح تقديس التوراة الحالية من قبل النصارى هو أهم عامل ربط النصارى ويربطهم من خلال العقيدة بخدمة اليهود والدفاع عنهم والخضوع لهم . فكل مدح وتبجيل لليهود،أو وعد لهم ، أ و وعيد لغيرهم ، أو نبوة صادقة أو محرفة ، أو قصة تاريخية صحيحة أو كاذبة ،أو غير ذلك مما يزعمون انه في توراة اليوم مطلوب من النصارى أن يؤمنوا به ، ويصدقوه ، ويؤيدوه ، بل ويساعدوا - في زعمهم - على تحقيق ما يرون انه لم يقع بعد - كما يرى جيمي سواغارت وبات روبرتسون وغيرهم - فضلا عن الدفاع عنه.
ولذا يعتقد الكثير من النصارى أنهم بذلك يحققون أوامر الرب ووصايا المسيح عليه السلام وأنهم مثابون إذا نفذوا ما جاء في توراة اليوم المحرفة ولاسيما ما يرتبط باليهود، الشعب المقدس عندهم الذي ولد منه ربهم بحسب الجسد - كما يزعمون - المسيح وحاشاه عليه الصلاة والسلام ، وما يرتبط بفلسطين الأرض المقدسة التي ولد على ثراها ربهم بزعمهم ، والأقنوم الثاني من أقانيم ثالوثهم الوثني ( الابن ) وسوف يأتي إليها ثانية (2) ... إلى غير ذلك.