فهرس الكتاب

الصفحة 21346 من 27345

لا أستطيع - مستحيل

أ.د/ناصر بن سليمان العمر 4/9/1423

كلمتان تتكرران على الألسنة كثيرًا ، وهما سبب رئيس لحالة الفشل العامة والخاصة ؛ التي تعيشها الأمة,وأفرادها .

إن منبع هاتين الكلمتين ؛ هو العجز العقلي , قبل أن يكون عجزًا حقيقيًا واقعيًا . والعقول العاجزة لا تصنع إلا الفشل .

لا مراء ولا جدال أن هناك أمورًا في الحياة لا يستطيعها الفرد ؛ ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم - وهو يبايع الصحابة يقول لهم: ( فيما استطعت ) ؛كما في حديث ابن عمر - رضى الله عنهما - وغيره .

بل يقول سبحانه تأكيدًا لهذا الأمر: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) ( البقرة: من الآية 286) ؛ مما يدل على: أن هناك ما هو فوق الوسع والطاقة . ومن هنا فإن هذه الحقيقة ليست مندرجة في هذا الموضوع الذي نحن بصدده , حتى لا ندخل في جدال لا ينتهي ؛ بل ينتهي بنا إلى الوهم الكبير:

( لا أستطيع - مستحيل ) ويزيد على ذلك: بأن نلبسه لباسًا شرعيًا .

إن هاتين الكلمتين - مع ما بينهما من فرق في اللغة والدلالة والمعنى - فقد أصبحتا قانونًا لكل عجز,وتأخر, وتفريط . تساقان للتبرير , والتخدير , وتحطيم العزائم ووأد النجاح .

كثير من الناس ، وأجيال تتلوها أجيال ، جعلت من هاتين الكلمتين: نبراسًا لحياتهم ومنهجًا لتفكيرهم ، ومنطلقًا للشعور بعدم التقصير ، وأساسًا للرضى بالواقع المرير .

إنني أقف مدهوشًا أمام هذا التخلف الرهيب , في واقع الأمة وحياتها ؛ مع ما تملكه من مقومات النجاح,والتفوق, والريادة , والسيادة . ومن ثم , أعملت تفكيري في هذا الأمر الجلل ؛ فتوصلت - بعد مراحل من البحث والتحليل، والسبر والتقسيم - إلى أن من أهم الأسباب في ذلك - والأسباب كثيرة-:تحول هذا الوهم الكبير: ( لا أستطيع - مستحيل ) إلى قاعدة صلبة في حياة كثير من أفراد الأمة أولًا، وشعوبها ثانيًا . منها ينطلقون ، وفي ظلامها يسيرون.

وكم جر علينا هذا الوهم - ولا يزال-: من مآس , وتأخر, وتقهقر في أمور الدين والدنيا ؛ ولذلك فإن من أخطر ما يتعلق بهذا الأمر هو: عدم الإدراك بأنه وهم ، لا يثبت عند التحقيق , والتمحيص . فترى من يفني جزءًا من حياته للدفاع عن هذا الصنم ؛ ليثبت أنه ركن صلب , وحقيقة قائمة ، ومسلمة لا مراء فيها .

إن هذا الوهم لم ينشأ بين عشيه وضحاها ؛ وإنما هو ثمرة لمجموعة من التراكمات والعوامل ؛ نشأت على مر السنين والأعوام . وهو إفراز لظروف مرت بها الأمة في تاريخها الطويل . فبدل أن تنتج من رحم المعاناة رجالًا ؛ يقودون الأمة إلى الرقي , والتقدم دون استسلام للصعوبات , والعقبات وبنيات الطريق ؛ وإذا بتلك العوامل تكون سببا لمزيد من الإحباط , واليأس , والفشل , والتردي في هوة الوادي السحيق .

كم يتعجب المرأ عندما يرى أمة وثنية ؛ اتخذت من الشدائد منطلقًا لرقيها ومزاحمتها لأشد أعدائها,دون أن تستسلم للهزيمة النفسية ، والإحباط المعنوي .

فهذه اليابان جعلت من حطام قنبلتي ( هيروشيما , وناجازاكي ) وقودًا سريع الإنضاج , لما وصلت إليه من رقى, وتحضر في أمور الدنيا ؛ حتى أصبحت رقمًا مهمًا في المعادلة الاقتصادية الدولية ، ولم تجعل من تلك الهزائم, والفواجع وسيلة للبكاء , واستدرار عطف الآخرين .

أما ألمانيا ؛ فقد خرجت من تحت أنقاض الخراب والدمار دولة كبرى . يحسب لها المجتمع الدولي ألف حساب. وأصبح اقتصادها من أقوى ركائز الاقتصاد في العالم مع أنه لم يمر على تدمير ألمانيا سوى سنوات معدودة ؛ حيث إن النقلة بين التاريخيين لا تزيد عن ( 30 ) عامًا .

إنني أسرح في تفكيري بعيدًا !! فأقول: يا تُرى , لو أن المجددين والمصلحين -من قادة الأمة - استسلموا لهذا الوهم الكبير: ( لا أستطيع - مستحيل ) ، كيف سيكون حال الأمة ومصيرها ؟!!

لو أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: لا أستطيع مقاتلة العرب بعد ارتدادهم واستسلم لهذا الواقع المرير - وحاشاه من ذلك - كيف ستكون النتيجة ؟! إن مجرد التفكير في ذلك ؛ يحدث هزة ورعبًا .

لو أن أحمد بن حنبل - رحمه الله - لم يقف ذلك الموقف الصعب الصلب , في وجه قادة الفتنة , من أساطين المبتدعة , المدعومين من حكام لم يدركوا خطورة ما فعلوا واستسلم لـ ( لا أستطيع - مستحيل ) , فهل يا ترى يكون قد تحقق ذلك النصر المذهل , لأهل السنة على يد رجل واحد ، تخلى عنه أقرب الناس إليه ، وبقى في الميدان وحيدًا، يواجه عتاة الفتنة العمياء ، وتأول المحبين؟! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت