فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الحلقة (16) الجمعة 29 1396هـ- 30 كانون الثاني 1976م
العلامة محمود مشّوح
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون: فإن من أسوأ الأشياء أن يكفر الإنسان نعمة ربِّه، وأسوأ من ذلك أن يتخذ نعمة ربه وسيلة للصد عن سبيله، وإن هذه النماذج التي تسخر نعم الله عليها لتصد بذلك عن سبيل الله؛ لهي مظهر من مظاهر المرض الذي تعاني منه الإنسانية منذ كانت وإلى اليوم، وستظل تعاني من هذا المرض إلى ما شاء الله.
إن الأمر المفترض عند ذوي العقول والألباب أنّ العبد عليه أن يعرف قدر النعمة، كما عليه أن يعرف قدر المنعم، كما عليه بعد ذلك أنَّ يجعل نعمة المنعم في خدمة المنعم وهو الله تبارك وتعالى، والظاهرة التي نقف اليوم عندها والتي عرضنا لشيء من أخبارها فيما سبق ظاهرة رجل هو عنوان لمجموعة ولكنه من حيث هو رجل منعَّم عليه بالمال وبالبنين وبالجاه وبالسمعة، إنه من حيث هو كذلك يمثل أشنع النماذج الإنسانية وأشدها جحودًا وكفرانًا. ذكرنا لكم أن الروايات تذكر أن الوليد بن المغيرة وهو من سادات قريش وسرواتها ووجهائها هو الذي نزلت في شأنه الآيات الكريمة من سورة المدثر رابعة سور التنزيل:
)ذرني ومن خلقت وحيدًا وجعلت له مالًا ممدودًا وبنين شهودًا ومهدت له تمهيدًا ثم يطمع أن أزيد(.
ولا نستطيع أن نعدو الروايات ولكننا مع ذلك نعود فنكرر: إن هذا النموذج متكرر. ليس مقصورًا على عصر الرسالة وإنما هو نموذج شائع في الإنسانية تجده حيث ما كنت وأينما وجدت. دعونا أولًا نقرأ ونفهم هذا الذي نقرأ؛ يقول الله تعالى والخطاب لمحمد صلوات الله عليه وآله (ذرني ومن خلقت وحيدًا) وهذا التعبير، هذه الصياغة يراد بها التهديد والوعيد، كما تقول دعني لفلان؛ أي لا تتكل في عذابه والتنكيل به على غيري، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم عبء التفكير في هذا المخلوق، ليتفرغ لما نُدِبَ إليه دون أن يلتفت إلى هذا الصغار الذي يتناثر من حوله، وأن يكل أمر المكذبين والمعاندين إلى الله تبارك وتعالى هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الله تعالى بهذا الكلام يُهِّولُ ويعظمُ من العذاب الذي أُعِدَّ لهذا المخلوق فحين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله (ذرني ومن خلقت وحيدًا) يريد بذلك أن يتكفل جل وعزّ بمعاقبة هذا الإنسان، وبتأديبه فأي شيء أعظم وأهول من أن يتولى الله تعالى تعذيب عبد من عباده، ومن ذا الذي يقوم ويستمسك لكل هذا التهديد الذي يصدر عن الله تبارك وتعالى من جهة أخرى...
إن الله تعالى يقول: (ذرني ومن خلقت وحيدًا) فكلمة وحيد ليست -كما نبهت في الجمعة الماضية- هي الوصف الذي كان يوصف به الوليد في الجاهلية فالوحيد هنا شيء، والوحيد الذي وصف الوليد به في الجاهلية شيء مغاير، في الجاهلية وقبل الإسلام كان الوليد يسمى الوحيد وكان يسمى ريحانة قريش لأنه لا نظير له ولا مثيل ولا شبيه في العرب الجاهليين كرمًا وثراءً ورجالًا وشجاعة وسداد رأي وكل ما تنطبق عليه مناقب الجاهلية، فالوحيد هناك وصف مدح أُبِيْنَ به الوليد عن سائر الناس، أما هنا فالله تعالى يقول: (ذرني ومن خلقت وحيدًا) مشيرًا بذلك إلى واحد من احتمالين: إما أن يكون وصف الوحيد مردودًا على الله تعالى ويكون المعنى ذرني ومن خلقته وحدي أي لم يُشْرِكْ أحد في خلقه.. هذا احتمال، أو أن يكون المراد: ذرني ومن خلقته وحيدًا فردًا كما في قوله تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا) ولعل هذا التأويل الثاني هو المتعين لأنه أبلغ في الدلالة ضمن الجو الذي تعرض له الآيات، فالآيات عرضت الوليد ذا مال وذا بنين وذا جاه ممدود فناسب أن يذكر الوليد وأشباه الوليد بمبدأ الخلقة التي خلقهم الله تعالى عليها من حيث خلقهم فرادى جاءوا إلى هذه الدنيا، دفعتهم أرحام الأمهات لا يملكون شيئًا، ولا يقدرون لأنفسهم على نفع ولا على خير، فما زالت بهم نِعَمُ الرب تبارك وتعالى مترادفةً عليهم متواليةً، حتى استووا رجالًا أشداء يذهبون ويجيئون ويتصرفون ويأخذون ويتركون، فجمعوا المال والثراء وبعد أن كانوا فرادى تزوجوا فإذا هم ذوو أولاد عدة وإذا هم يتعززون بهؤلاء الأولاد الذين يحيطون ويطيفون بهم لأن عادة الإنسان ولا سيما حين يَغْنى وحين يَكْثُرُ بعد القلة أن ينسى.