فهرس الكتاب

الصفحة 11033 من 27345

الموضوعيّة والالتزام: هل ثمّة تناقض؟

أ. د. عماد الدين خليل 19/3/1427

بعض الدارسين يقيم صراعًا، قد يكون مصطنعًا، بين الموضوعية والالتزام عند دراسة الإنسان الفرد، والإنسان والمجتمع والتاريخ والحضارة والمستقبل. وهذا يثير إشكالية تبحث عن جواب ..

بإيجاز شديد، نحن كمسلمين نؤمن -حتى النخاع- بمصداقية عقيدتنا الإسلامية في تعاملها مع الإنسان والمجتمع والنشاط الحضاري .. أي بموضوعيتها، وإلاّ ما غدونا مسلمين: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا) . [الأحزاب:36] . (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) [المائدة: من الآية3] .. فالإسلام ـ كما هو بديهي ـ كلمة الله الأخيرة إلى الإنسان، ومنهجه الخاتم في الأرض، وما يقوله بصدد الفرد والمجتمع والنشاط الحضاري هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (ويجب أن نفرّق هنا بين معطيات كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين اجتهادات المسلمين أنفسهم) .

فليس ثمة خط فاصل ـ في الرؤية الإسلامية ـ بين الموضوعية والالتزام. بل على العكس، إن الالتزام بالمفهوم هذا يمنحنا معايير صادقة ومنضبطة للحكم بموضوعية على مفردات التعامل.

والقرآن الكريم يقولها بوضوح: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) . [المائدة:8] . (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) . [الأنعام: من الآية152] .

إنها دعوة صريحة مؤكدة للتعامل العادل مع الجماعات والظواهر والأشياء، بغض النظر عن اختلاف المبادئ والمنطلقات.

ثمة شيء مدهش إذا صحّ التعبير ما عرفه مذهب من المذاهب في التعامل"الموضوعي"العادل مع"الآخر"، ولكنه في تقاليدنا القرآنية والنبوية يصير ظاهرة مؤكدة بل أمرًا ملزمًا!

لنسترجع معًا هذه الآيات من سورة النساء، ثم لنتأمل المغزى الذي يتشكل في كل حرف أو كلمة فيها، مما يبدو ـ بحق ـ قمة تتضاءل دونها سائر القمم الأخرى في مجال التعامل الموضوعي العادل كالصراط مع الظواهر والأشياء، ومع الإنسان أيًا كان موقعه في الزمن أو المكان أو الطبقة أو العرق أو المكانة أو ـ حتى ـ الدين: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء105-113] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت