التجديد ... حينما يفقد مساره ! (2/2)
بقلم عبدالله بن محمد المالكي
"...إنِّ مصطلح (التجديد) أصبح مثالًا لهذه المصطلحات التي تعرَّضت إلى كثيرٍ من الخلط والعبث الفكري، حيث استطاع ثلةٌ من العلمانيين الملحدين، ومن العصرانيين المنهزمين أمام الحضارة الغربية، ..."
إنَّ كشف معاني المصطلحات المتداولة وضبطها ورسم حدودها من أهم نشاطات البحث في الشأن الفكري بشكل خاص وفي الشأن المعرفي بشكل عام، وذلك للوصول إلى اتخاذ مواقف منضبطة تجاه المصطلح، واستعماله استعمالًا لا يتعارض مع مدلوله . وهو في ذات الوقت سياجٌ للحراك الفكري من الخلط والعبث، وحمايةٌ للعقل المسلم من الإرباك والفوضوى .
ذلك لأن عدم وضوح دلالة المصطلح يورِّثُ - أثناء استعماله - شيئًا من الضبابية الفكرية، والتميُّعِ العلمي، الأمر الذي يسمح (لقراصنة) الفكر من العلمانيين وأضرابهم من خطف ذلك المصطلح وتوظيفه توظيفًا غير نزيه، بعد إفراغ مضمونه من دلائله الشرعية، ثم تعبئته بالمضامين والتوجهات الغربية المنحرفة وتسريبها إلى العقل المسلم عبر ذلك المصطلح الذي قد يكون شرعيًا في أصله .
والأمثلةٌ كثيرةٌ على ذلك، كالذي يحصل في هذه الأيام من الخلط بين مصطلح (الديموقراطية) بمفهومها العلماني و (الشورى) بمفهومها الإسلامي، وبين مصطلح (التعددية) بمفهومها الليبرالي و (الاختلاف) بمفهومه الشرعي، وبين مصطلح (التأويل) بمفهومه الباطني و (التأويل) بمفهومه القرآني، ونحو ذلك .
والجدير بالذكر، أنَّ هذه الخلط الفكري مِنْ قبل أدعياء الثقافة والفكر ومِنْ بعض الصحفيين وكتاب الجرائد في عالمنا العربي هو في الحقيقة ليس من بنيِّات أفكارهم أو من قراءاتهم الخاصة في التراث، فهم أجهل الناس بالتراث وبالمصطلحات الشرعية، وإنما هو من مخرَّجات المدرسة الاستشراقية - قديمًا - التي لم تكن محايدة ولا دقيقة في دراساتها وأبحاثها، فجاء المثقفون في عالمنا العربي وقاموا بسرقة تلك المخرجات كأنها نتاج للبحث والدراسة الذاتية !
وسرقة المثقفين العرب وتوسلهم إلى تراث المستشرقين في الدراسات الإسلامية قصةٌ أخرى ينبغي أنْ تروى في غير هذا المقام .
أعود فأقول: إنِّ مصطلح (التجديد) أصبح مثالًا لهذه المصطلحات التي تعرَّضت إلى كثيرٍ من الخلط والعبث الفكري، حيث استطاع ثلةٌ من العلمانيين الملحدين، ومن العصرانيين المنهزمين أمام الحضارة الغربية، أنْ يستغلوا هذا المصطلح استغلالًا غيرَ علمي ولا نزيه، بتفريغه من مضمونه الشرعي، وجعله غطاءً على (تحريف الدين) و (إبطال الشريعة) ، حتى أصبح مصطلح (التجديد) يثير الريبة والتوجس والقلق بين عامة المسلمين .
أصالة مصطلح (التجديد) :
إن مصطلح (التجديد) - في أصله - مصطلحٌ ديني، جاء ذكره في خطاب الشارع، وهو قبل ذلك لفظٌ عربي له مدلوله الخاص في لغة العرب، ومدلوله اللغوي متوافقٌ مع مدلوله الشرعي؛ كبقية المصطلحات الشرعية المتوافقة في دلالتها مع المعنى اللغوي (اشتراكًا أو تواطئًا) ، كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك .
مفهوم التجديد في اللغة:
فالتجديد في لغة العرب كما تشير معاجم اللغة [1] : نقيض الخَلِق، أي: القديم، ويُقَال: جدَّد الشيء: صيِّره جديدًا، أي: جعل القديم جديدًا وأعاده إلى حالته الأولى، وجدَّد الثوب أي أعاده إلى أول أمره .
فالتجديد إذن في معناه اللغوي يتكوَّن من ثلاثة معانٍ متصلة، وهي:
1)أن الشيء المجدَّد قد كان في أول أمره موجودًا، وللناس به عهد .
2)أن هذا الشيء قد طرأ عليه ما غيره وأبلاه وصار قديمًا .
3)أن ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أنْ يبلى ويخلق" [2] ."
وفي القرآن الكريم جاء ذكر (التجديد) بمعنى الإحياء والبعث والإعادة، وهي معان تتفق مع المعنى اللغوي للتجديد، كما في قوله تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} (ق: 15) ، وقوله: {أئنا لفي خلق جديد} (السجدة: 1) ، قال ابن جرير:"منكرين قدرة الله على إعادتهم خلقًا جديدًا بعد فنائهم وبلائهم" [3] ، وهذا التفسير - كما ترى - منسجمٌ مع المعنى اللغوي للتجديد .
المفهوم الديني للتجديد:
إذا تقرر هذا؛ فحينها عندما يأتي مصطلح (التجديد) في خطاب الشارع، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [4] ؛ فينبغي أنْ يُفهم على وفق مدلوله اللغوي، فيكون المقصود بـ (التجديد) :"إعادة الدين (مفهومًا وممارسة) إلى صورته الأولى قبل التحريف والإضافة"؛ وهذا هو المعنى الشرعي الذي ينبغي أنْ يفهم من خلال هذا الحديث، وهو المعنى الذي ينسجم مع التصور الكلي للنصوص الأخرى في هذا الباب:
-كحديث: (يرث هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين) [5] .
-وحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) [6] .