فهرس الكتاب

الصفحة 5254 من 27345

-وحديث: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين بغرسٍ يستعملهم في طاعته) [7] .

ونحو ذلك من النصوص التي تكوِّن في النهاية معنىً كليًا للمفهوم الشرعي لمصطلح (التجديد) .

ممارسة العلماء للتجديد بمفهومه الشرعي:

ولقد كانت ممارسة العلماء للتجديد عبر التاريخ على وفق هذا المفهوم، ولعلنا نستدعي هنا مقولة الإمام مالك التي ذكرناها في المقالة السابقة:"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها، وما لم يكن يومها دينًا لا يكون اليوم دينًا" [8] ، وهذا هو المسار الصحيح لعملية التجديد والنهوض بالأمة عند أئمة السلف .

وإذا أردنا أن نستعرض أدوار المجددين في تاريخ الإسلام لطال بنا المقام، كدور التابعي الجليل الحسن البصري في تجديد الشعور الديني لدى عامة الناس، ودور الخليفة الراشدي عمر بن عبدالعزيز في تجديد السياسية الشرعية في الإسلام، ودور الإمام الشافعي في تجديد المنهج العلمي في باب الاجتهاد والاستدلال، ودور الإمام ابن تيمية في تجديد التصور السلفي الأصيل ونقد التصورات الفلسفية والكلامية المنحرفة، ودور الإمام محمد بن عبدالوهاب في تجديد حقيقة التوحيد ومحاربة الشرك الخرافة، وهكذا في سلسلة من أهل العلم الذين مارسوا التجديد بمفهومه الشرعي، مع مراعاة كل واحدٍ منهم حاجة الزمان والمكان .

يقول أبو الأعلى المودودي:"المجدِّد: كل من أحيا معالم الدين بعد طموسها، وجدَّد حَبْلَه بعد انتقاضه ... والتجديد في حقيقته: تنقية الإسلام من كل جزءٍ من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصًا محضًا على قدر الإمكان" [9] .

ويقول الشيخ القرضاوي:"إن التجديد لشيء ما: هو محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد، وذلك بتقوية ما وهى منه، وترميم ما بلي، ورتق ما انفتق، حتى يعود إلى أقرب ما يكون إلى صورته الأولى ... فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر، فهذا ليس من التجديد في شيء" [10] .

الممارسة المنحرفة لمصطلح التجديد:

ومع هذا الضبط والوضوح للمفهوم الشرعي لمصطلح"التجديد"، إلا أن الممارسة الثقافية والدينية لبعض دعاة التجديد في واقعنا المعاصر تختلف وتبتعد كثيرًا عن هذا المفهوم، إذْ أنها تتوسل وتستدعي أثناء ممارستها للتجديد ممارسات أجنبية مختلفة عن طبيعة الموضوع (= الإسلام) ، ولعل تلك الممارسات تجتمع في اتجاهات أربعة:

الاتجاه الأول:

وهو المتأثر في ممارسته بالحركة التجديدية الإصلاحية التي قامت في أوربا في بداية القرن الخامس عشر، والتي كانت تمارس نقد المسيحية الكاثوليكية آنذاك، وكان يقودها القس الألماني (مارتن لوثر) ، وقد نتج عنها بعد ذلك قيام المذهب البروتستانتي، الذي - بلا شك - أحدث شرخًا كبيرًا في الكيان الديني (الفاتيكاني) المتسلِّط في أوربا .

والحركة البروتستانتية وهي وإن كانت تدعوا إلى العودة إلى تعاليم (الآباء الأوائل) للنصرانية، ونقد المفهوم البدعي القائم للنصرانية المتمثل في قرارات المجامع الكنسية، إلا أن نقدها - في الحقيقة - لم يكن نقدًا إيجابيًا بناءً، بل كان نقدًا هدميًّا فحسب، فلم يقدموا تصورًا صحيحًا وبديلًا للديانة المحرَّفة، وإنما قدموا تصورًا آخر لا يقلُّ انحرافًا عما قبله .

ونحن نعتقد جازمين أن الحركة البروتستانتية عاجزة عن ذلك (أي تقديم البديل) ، لسببٍ بسيط، وهو فقد وغياب المرجعية الأولى للديانة النصرانية التي كان يمكن للبروتستانت وللإصلاحيين أن يقدموا من خلالها الصورة الصحيحة للديانة النصرانية .

وأقصد بالمرجعية الأولى: تراث نبيهم وتراث أصحابه الحواريين الذين اعتنقوا النصرانية الصحيحة التي أرادها الله، بل إن إنجيل المسيح الذي جاء به من عند الله = ضاع وفُقِدَ عبر التاريخ بإجماع الباحثين اللاهوتيين الغربيين، هذا إنْ صحَّ أنه جُمِع وكتب بالفعل . فضلًا عن تراثه أو تراث أصحابه .

إن تلك المرجعية الأولى هي الميزان الدقيق لمعرفة صحة أو بطلان جميع الأوضاع والممارسات التي كانت تمارسها النصرانية المتأخرة .

والحقيقة التي نعتقدها - نحن المسلمون - أن تلك المرجعية وإن ضاعت عبر التاريخ إلا أن جوهرها محفوظ في القرآن الكريم، وهو المصدر الإلهي الوحيد الذي لم تصل إليه يد التحريف والعبث .

أقول: بسبب ضياع وفقد تلك المرجعية، واستكبار النصارى عما هو موجود لدى المسلمين من الحق؛ تخبطت الحركة البروتستانتية في عملية التجديد تخبطًا كبيرًا، ولم يقدموا سوى صورة جديدة للنصرانية المنحرفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت