فهرس الكتاب

الصفحة 5255 من 27345

ولذا فإن استلهام هذا التجربة الإصلاحية التي قامت بها الحركة البروتستانتية من قبل بعض المثقفين ودعاة التجديد في واقعنا الإسلامي = خطأ فادح، وسذاجةٌ في التفكير، وسوءُ فهمٍ لقراءة التاريخ، فالموضوع هنا يختلف اختلافًا كبيرًا عن الموضوع هناك، فالإسلام هنا مرجعيته محفوظة، وتراث النبي صلى الله عليه وسلم مدوَّن ومنقول إلينا بالسند الصحيح، وكذلك تراث أصحابه من بعده، بل وتراث أئمة الدين الكبار من التابعين وتابعيهم إلى زماننا . هذه المرجعية المحفوظة، هي التي أمكن من خلالها أنْ يقدم العلماء المجدِّودن عبر تاريخ الإسلام الصورة الصحيحة للإسلام .

الاتجاه الثاني:

ويسير عليه فريق من المثقفين العرب الذي تأثروا بالمذاهب المادية المنحرفة، كالماركسيين وأضرابهم، والذين كان"الدين"عقبةً أمام مشاريعهم الفكرية في المجتمعات الإسلامية، حيث عجزوا أن يمحوا آثاره من حياة الناس، وأدركوا أنَّ الإسلام متأصلٌ في قلوبهم .

فعمدوا حينها إلى مشروع وفاقي مع الإسلام (شكليًا) ، فبدأوا أولًا بالإعلان أنهم وجدوا ضالتهم في هذا الدين، ثم قرروا بأن الإسلام لا يتعارض مع النظرية الماركسية، ثم ظهر بعد ذلك مصطلح (اليسار الإسلامي) ومصطلح (الإسلام الاشتراكي) .

والمتابع لهذا الاتجاه يجد أنه ينطلق في ممارسته (للتجديد) من خلال مسارين:

الأول: بالتوسل إلى التراث والبحث في داخله عن أي معنى يتوافق مع الماركسية، وذلك من خلال إبراز الرموز المنحرفة في التاريخ الإسلامي، أو الإشادة بالحركات الثورية الباطنية المتهمة بالزندقة .

الثاني: محاولة تفسير النصوص الشرعية والوقائع التاريخية تفسيرًا ماديًا بحتًا يتوافق مع النظرية الماركسية، وذلك تحت شعار (تجديد الخطاب الديني) .

ولعل المفكر اليساري"حسن حنفي"، و"الطيب تزيني"، و"محمود أمين العالم"، نماذج واضحة على هذا الاتجاه .

وفي الحقيقة أن المقام لا يتسع لمناقشة هذا الاتجاه، ولكن لعلي أكتفي بالإشارة إلى أنَّ هذه الاتجاه لم يكن يمارس (التجديد) في حقيقة الأمر، وإنما مارس شيئًا أستطيع أن أسميه بـ (النفاق الفكري) أو (التزلف الفكري) أو (المداهنة الفكرية) ، فبدل أن يكشف هذا الاتجاه عن مشروعه الحقيقي بشكل واضح لا ملابسة فيه، حتى يكون أمره بيِّنًا لدى الطليعة من شباب مثقفي الأمة، فيدركوا المقاطعة الواضحة بينه وبين الإسلام ... بدل أن يقوم بذلك؛ أخذ في التمسُّحِ بعتبة الإسلام ومحاولة الولوج فيه والبحث في داخله عما يوافق مشروعه الفكري، وذلك عن طريق العبث بالنصوص الشرعية ومحاولة تفسيرها تفسيرًا لا يمت إلى العلمية والموضوعية بصلة، وهذا كله تحت شعار (تجديد الخطاب الديني !!) ، وهذا في الحقيقة أقرب إلى النفاق والتزلف منه إلى الوضوح في تبني الفكرة .

الاتجاه الثالث:

وهو ما أستطيع أن أسميه بالاتجاه"التبريري"، وذلك لكثرة تأويله للنصوص الدينية - خاصةً نصوص الأحكام - حتى تنسجم مع الواقع، خاصةً إذا كان النص ظني الدلالة ووقع الخلاف في دلالته، فبدل أن يجتهد أصحاب هذا الاتجاه في قراءة النص قراءة علمية على وفق المعايير الموضوعية عند علماء الأصول، بدل ذلك .. تتجه قراءتهم إلى تأويل النص تأويلًا ينسجم مع ظروف الواقع، تحت شعار (التجديد) .

فكأن الواقع هو المحور الثابت الذي يدور في فلكه النص، مع أن النص الديني في التصور الإسلامي هو المحور الثابت الذي يدور في فلكه ليس الواقع فحسب؛ بل الوجود بأكمله! قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك الله وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام: 2) وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ...} (الأحزاب: 36) ولهذا عبَّر الفقهاء الأوائل بالقاعدة الشهيرة: (لا اجتهاد مع النص) .

وهذا الاتجاه يسير عليه جماعة من المنتسبين إلى العلم والفكر الإسلامي، الذين واجهوا الحضارة الغربية وما أفرزته من تقدم هائل في التقنية والمعرفة ومجالات الحضارة، والتي أدَّتْ إلى افتتان كثيرٍ من المسلمين بالغرب العلماني، واستيراد نظمه التعليمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاكاته في أنماط الحياة وطريقة العيش، دون إفرازها وتنقيتها مما يخالف الشريعة، حتى تكونت مع الأيام فجوة كبيرة بين الشريعة وواقع المسلمين . فجاء هذا الاتجاه لردم هذه الفجوة؛ لكن ليس بإصلاح الواقع، وإنما بتأويل الشريعة حتى توافق ذلك الواقع .

ومشكلة هذا الاتجاه هي ذات المشكلة التي واجهت المتكلمين قديمًا، فالمتكلمون قديمًا كانوا يشعرون بإشكالٍ كبير عند تعارض العقل مع النقل في بعض المسائل الدينية، خاصةً في القضايا الإلهية .

علمًا بأن هذا التعارض - في الحقيقة - ليس له وجودٌ في واقع الأمر، إنما هو موجودٌ في الأذهان، ولذا فهو نسبي يختلف من عقل إلى عقل، بخلاف النص الذي يمتاز بالثبات والحياد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت