فبدل أن يتجه المتكلمون إلى درء تعارض العقل مع النقل بقدر المستطاع، أو اللجوء في نهاية الأمر إلى تحكيم النقل على العقل تعبدًا لله تعالى، وتعظيمًا للوحي الإلهي، واتهامًا للعقل البشري القاصر، مع الجزم بأن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح، لأن الله تعالى هو مصدر النقل وهو خالق العقل في نفس الوقت ... بدل أن يتجه المتكلمون إلى ذلك اتجهوا إلى تأويل النقل الصحيح حتى يتوافق مع ما يقوله العقل الذي قد يكون فاسدًا في حقيقته، فحكَّموا العقل على النقل .
كذلك وقع العصرانيون في نفس الخطأ، عندما وجدوا أن الواقع في أغلبه يتعارض مع بعض النصوص الشرعية، فبدل أن يجتهدوا في إصلاح ذلك الواقع والقيام بواجب الدعوة ومحاولة تطبيق تلك النصوص في أرض الواقع؛ اتجهوا إلى تأويل تلك النصوص حتى تنسجم مع الواقع، بحجة أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان ! وأنه عندما توجد (المصلحة!) فثمَّ شرع الله ! وأن الشريعة قامت على الرفق والتيسير ! ونحو ذلك من الحجج التي يُستدَل بها في غير مواضعها، وهذا كله تحت شعار (التجديد!) .
ولهذا فإن خطاب (التجديد) الذي يتبناه بعض الدعاة والمفكرين المتأثرين بهذا الاتجاه لم ينجح في إصلاح واقع المسلمين إصلاحًا حقيقيًا، لأنه كان خطابًا تبريريًا للواقع وليس خطابًا تغييرًا نهضويًا يقارب الفجوة بين الشريعة وواقع الناس، مما أدى إلى استمرار التخلف وترسيخ المشاكل والأمراض التي تعاني منها الأمة !
ويعتبر الشيخ محمد عبده، هو المؤسس الفعلي لهذه الاتجاه، والذي سمي فيما بعد بالاتجاه (العصراني) أو (التنويري) ، وقد تأثر به جماعةٌ من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، كالشيخ محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، وفهمي هويدي .
الاتجاه الرابع:
وهو ما يسمى بـ (الإسلام الليبرالي) أو (الإسلام الأمريكي) ، وهذا الاتجاه هو أحدث الاتجاهات ظهورًا في العالم الإسلامي وإن كان وجوده في أدبيات الفكر الإسلامي من قديم، ولعل الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - هو أول من تنبأ بظهور هذا الاتجاه وسطوته في الساحة الثقافية والإعلامية .
حيث ذكر الشيخ عبد الله عزام أن من مزايا سيد قطب الكثيرة:"نفاذ بصيرته وعمق نظره"، وفي هذا السياق يقول:"وكثيرًا ما كان سيد قطب يردد: (ستهب في المرحلة القادمة على المنطقة رياحٌ من الإسلام الأمريكي) وقد كان!" [11] .
فلما وقعت أحداث الحادي عشر من أيلول كانت هي الانطلاقة الفعلية في ظهور هذا الاتجاه وانتشاره بشكل ملفت .
وخطورة هذا الاتجاه تكمن في قوته والدعم المادي الذي يلاقيه من قبل أقوى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية، إضافةً إلى التمكين له في وسائل الإعلام المختلفة، بل هناك وسائل تعتبر الناطق الرسمي له، كقناة العربية، ومجموعة الأم بي سي، وقناة الحرة، وإذاعة سوا، وصحيفة الشرق الأوسط .
ونحن هنا إزاء ظاهرة فريدة، إذ تحول سؤال (التجديد) من مطلب داخلي تجسَّد على يد دعاة التجديد في العالم الإسلامي باختلاف توجهاتهم ومشاربهم، فرضه الواقع والانفتاح نحو الحضارة الغربية، تحول إلى مطلب خارجي من قبل (الاستعمار) ليصبح خطابًا إرغاميًا إيديولوجيًا من قبل القوى الأمريكية المتمثلة في حزب (المحافظين الجدد) ، أو خطابًا ملحًا فيه شيء من التهذيب والمتمثل في القوى الليبرالية الأمريكية .
والاتجاه الأمريكي في ممارسة تجديد الخطاب الديني، يقوم على اعتبار المصالح الأمريكية بشكل أساس بغض النظر عن مصالح الأمة، ويتبلور مشروعه: في إيجاد خطاب ديني جديد ومعتدل حسب المنظور الأمريكي يتمشى مع المصالح والسياسات الأمريكية في المنطقة العربية، ويحل مشكلة ما يسمى بـ (الإسلام الأصولي) الذي ينزع إلى المقاومة ويؤمن بالجهاد كإحدى فرائض الإسلام الكبرى ويقف موقف الرفض للثقافة الغربية التي تصطدم مع الثقافة الإسلامية .
ولعل أهم الوسائل التي يمارسها هذا الاتجاه في عملية"التجديد"هي التلاعب بالمصطلحات الدينية، ومنها مصطلح (الإسلام المعتدل) أو (الوسطي) حيث أصبح هذا المصطلح ينتشر كثيرًا في الأوساط الإعلامية وفي الخطاب الثقافي العربي، ويُقصَد به: الإسلام الذي ينسجم مع المصالح الأمريكية في المنطقة عسكريًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا، وفي المقابل (الإسلام المتطرف) أو (المتشدد) ويراد به: المقاوم والممانع للسيطرة الأمريكية، مع أن (الاعتدال والتشدد) و (الوسط والتطرف) مفاهيم دينية خاصة لها مدلولاتها المحددة في الشريعة الإسلامية، إلا أنه بفضل الخطاب الليبرالي المتأسلم أصبحت تلك المفاهيم ذات مدلولات أمريكية بحتة .
ولعل المفكر المصري سعد الدين إبراهيم، وشاكر النابلسي، وهشام جعيط، وعبدالرحمن الراشد، وأحمد الربعي، أبرز من يمثل هذا الاتجاه .
والخلاصة؛