حول المسلم والسّلطة
أ. د. عماد الدين خليل 11/6/1426
عندما كنت طالبًا في قسم التاريخ في مطلع الستينيات … كان أستاذ علم الاجتماع- لسبب ما - يسعى في كل محاضرة من محاضراته إلى تأكيد مسألة أن القرآن الكريم جاء لكي يطلب من الناس أن يضعوا السلاح إزاء السلطات التي تحكمهم، وإلى ضرورة طاعة أولي الأمر منهم وإلا خرجوا من حظيرة الإيمان .. وكان يقتطع بعض الشواهد القرآنية لكي يؤكد وجهة نظره .. وفي كل مرة كان يتلو الآيات مضيفًا إليها أو منتقصا منها .. وعندما يتحول إلى كتب الفقه كان يقف طويلا عند (الخراج) لأبي يوسف ويقول: هاهو ذا يؤلف كتابه للخليفة هارون الرشيد، ويدعو الناس كافة إلى الطاعة وإلا مرقوا عن الدين كما يمرق السهم عن منزعه ..
وكان هدفه من وراء هذا كله أن يصور الإسلام كما لو كان دينًا سلبيًا يوجد جماعات ممن اعتادوا ليّ رؤوسهم لكل سلطة، وانعدمت في نفوسهم أي قدرة على الرفض والمجابهة.. كان يريد أن يقول ـ بشكل غير مباشر ـ: إن الإسلام هو دين السلطات تبرر به طغيانها، حتى إذا ما حاول أحد الوقوف بوجهها اتهم بالكفر والمروق وأُخرج من حظيرة الإيمان فأصبح شريدًا منفيًا ليس له من ملجأ يأوي إليه، فيضطر للعودة ثانية لتقديم الولاء وممارسة تقاليد العبودية..
وكنت أحاول أن أرد عليه إلا أن ضيق الوقت الذي كان يمنحني إياه، وضعف قدرتي على الرؤية الشمولية يومها، لم يمكّناني من دحض افتراءاته كافة.. وفي اللحظة التي كان يشعر فيها بالحرج كان يستخدم سلطته كأستاذ لإرغامي على السكوت بشكل أو بآخر..
ومرت على ذلك أعوام طويلة، عقدان من الزمن، ووجدتني أتذكر يومًا، وأنا أستمع إلى أحد المرتلين يتلو (وأطيعوا الله والرسول..) محاضرات الأستاذ إياه وتأكيده المستمر على استسلامية المسلم إزاء السلطات.. فقرّرت أن أرجع إلى القرآن الكريم نفسه.. أن أقرأه مرة ومرتين وثلاثًا لمتابعة موقفه من هذه المسألة الخطيرة: العلاقة بين الجماهير والحاكم .. وإذ بي في ختام الرحلة أجد المعطيات القرآنية تخالف تمامًا ما ذهب إليه الأستاذ.
إن القرآن الكريم، كما يتضح من السياق العام، لا يعلّق المسؤولية على الزعامات الجائرة فحسب، وهي تمارس جرمها وفجورها وترفها وطغيانها وأخلاقياتها الهابطة، إنما هي القواعد التي أعانتها في البدء على الوصول، وهي تعينها الآن بتأييدها المعلن أو الضمني، المادي أو الأدبي، الفكري أو الأخلاقي، أو بسكوتها على الأقل، على مواصلة المسير بالجماعة صوب البوار .. ومن ثم يصدر القرآن الكريم تحذيراته إلى هذه القواعد من أن يتبلّد وعيها، ويتجمّد حسها الجماعي، فتناسق في مجرى الطاعة والاندماج في مسار السلطة؛ إذ لا تستطيع أن تقول (لا) بل إنها ـ أكثر من ذلك ـ تقر في سرائرها هذا الطغيان الذي تمارسه السلطة، ولا تستطيع أن تجد في نفسها أي مبرّر للرفض أو المقاومة.
وهكذا تجد الجماعة نفسها وقد غفلت عن أهدافها وقيمها ومطامحها؛ لأنها لم تدع مسافة كافية بينها وبين السلطة للرؤية والنقد والتمحيص والرفض والمقاومة، بل اقتربت منها رغبًا ورهبًا واندمجت بها، وأصبح من المحتم أن نتحمل معها المسؤولية حتى لو لم تحصل باندماجها هذا إلا على الفتات .. أو الاحتقار والازدراء ..