فهرس الكتاب

الصفحة 6857 من 27345

هاني بن عبد الله الجبير 3/4/1427

للحديث عند المحُدِّثين أقسامٌ ثلاثة مشهورة . وهي الصحيح، والحسن والضعيف، وللصحيح والحسن قسمان، صحيحٌ لذاته ولغيره، وحَسَنٌ لذاته ولغيرِهِ .

والفرق بين الحكم على الحديث بالوصف لذاته أو لغيره: أنّه متى صدق عليه الوصف لذاته دون نظرٍ إلى متابعٍ له أو شاهد، قيل له: صحيحٌ لذاته، أو حَسَنٌ لذاته .

ومتى لم يصدق عليه الوصف لذاته، بل وصل إلى هذه المرتبة بعد ورود ما يؤيِّده ويقوِّيه ويرفع رتبته سُمي الحَسَنُ: صحيحًا لغيره، والضعيف: حسنًا لغيره .

فالحسن بكثرة الطرق يُصَحّح . والضعيف بتعددها يُحَسّن .

وهذا شيء مُسْتَقِرٌّ في النفوس ؛ فإن الضعيف إذا كثر تغلّب على الصحيح .

لا تحارب بواحدٍ أهل بَيْتٍ فضعيفان يغلبان قَويًّا .

على أن المهم هنا هو أن القوم قد اصطلحوا على تقوية الأحاديث بتعدد طرقها، فترتفع رتبتها وتقوى الحجة بها .

ومن هنا كان اهتمام علماء السُّنّةِ بالاعتبار وهو: التنقيبُ عن الشواهد والمتابعات .

والذي يعنينا في هذا البحث هو: الحديث الضعيف الذي قد ورد ما يجبره، ويرفع رتبته حتى زال عنه الوصف بالضعف، وغدا حديثًا مقبولًا، وهو المسمّى: [ الحسن لغيره ] ، والذي يشكل في هذا النوع من الأحاديث هو حَدُّ الضعف المنجبر، وحَدُّ الجابر له، فلذا صار هذا الموضع من محال الإشكال عند علماء المصطلح، والمؤلفين فيه (1) ؛ وذلك لأنه ليس كل حديث صالحًا لأن يكون جابرًا، فما أطلقه المتأخرون من أن الحديث الضعيف بتعدده يصير حسنًا إطلاق ليس بصواب، بل الصواب أن يُقَيِّد ما إذا كان الضعف ليس قَويًّا [ وعلى هذا فلابُدَّ لمن أراد أن يقويّ الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبيّن له مبلغ الضعف فيها ] (2) وهذا أمرٌ مقرّر عند علماء المصطلح ولا إشكال فيه (3) .

الذي ظهر للباحث أن الحديث المقويّ: ما ليس في رواته متروك - وسيأتي بيان المتروك وحده - فكل راو أقوى من المتروك فحديثه صالح للتقوية، فشرط [ تقوّي الحديث بكثرة الطرق هو خلوها من متروك أو متهم ] (4) ؛ [ فإنّه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهام بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ازداد ضعفًا إلى ضعف ؛ لأن تفرّد المتهمين بالكذب، أو المجروحين في عدالتهم ؛ بحيث لا يرويه غيرهم، يرفع الثقة بحديثهم ويؤيّد ضعف روايتهم وهذا واضح] (5) .

ويؤيده أن علماء الجرح والتعديل عند ذكرهم لألفاظ الجرح جعلوا منها: متروك وتركوه، ومتروك الحديث ... ثم قالوا عن أهل هذه المرتبة لا يحتج بهم ولا يستشهد ولا يعتبر بهم (6) . [ أي لا يعتد بالحديث الذي يأتي من طريقه متابعًا ولا شاهدًا لحديث آخر ليقوي به ذلك الحديث المتابَع ؛ لأن ضعف هذا الراوي شديد، لا يحتمل أن يقوَّى بحديثه حديث غيره، فلا يصلح للمتابعات ولا للشواهد ] (7) .

أمّا الراوي الموصوف بالنُّكر، فلا شك في أنّه يُقَوّي ؛ وذلك لأنّه الوصف بالنكارة، وصفٌ في المروي لا يلازم الراوي، الحديث المخالِفْ منكر، فإذا روى راويه حديثًا لم يخالف فليس حديثه منكرًا بخلاف المتروك، فالترك وصفٌ في الراوي يلازم كلّ ما يرويه (8) - ويؤيده أنّ علماء الجرح ذكروا من ألفاظ الجرح منكر الحديث أو حديثه منكر، وجعلوه صالحًا للاعتبار (9) .

أمّا الحديث المنكر فإنه يُطلق بإزاء معنيين: مخالفة الضعيف للثقة، وغريب الضعيف الذي لا يحتمل تفرّده (10) وهو أحسن حالًا من المتروك كما قال الحافظ في شرح النخبة (11) . فهل المنكر يقوّي ؟ الجواب: أن المنكر بمعنى غريب الضعيف غير داخل في حديثنا ؛ لأنه فردٌ لا مُقوِّي له . وإلاّ لم يُقَوِّ ؛ لأنه فقد شرطًا من شروط الصحة والحسن وهو عدم الشذوذ، فمن باب أولى عدم النكارة (12) . فلذا لا يصير حديثه حسنًا ولا صحيحًا .

هذا وينبغي أن نشير إلى أن بعض المتقدمين يطلق المنكر ويريد به المعنى اللُّغوي: أي مجرد التفرد ولو كان ثقة، فيكون حديثه صحيحًا غريبًا (13) .

حكم الحديث غير المُقَوِّي إذا وردت له متابعات

إذا وردت للحديث متابعات، وشواهد قاصرة عن درجة التقوية والجبر، فإنها لا ترفعه إلى الحسن لقصورها، ولكنها مع ذلك تنفعه في جانبٍ آخر وهو إخراجه عن حَدِّ النكارة، أو عن كونه لا أصل له [ بل ربما كثرت طرقه حتى أوصلته إلى درجة المستور السّيئ الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن ] (14) .

وهذا ما يؤكد أهمية تتبع الطّرق، ولو كانت ضعيفةً تتقاعد عن حَدِّ الجابر .

قال السيوطي في ألفيته في المصطلح (15) :

.. .. .. .. ..وما *** كان لفسقٍ أو يرى مُتَّهمًا

يرقى عن الإنكار بالتعدُّدِ *** بل ربما يصير كالذي بُدِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت