أي أن ما كان رواته مضعفون بسبب الفسق أو التهمة فإنه يرْقى عن حَدِّ المنكر بتعدُّدِه بل ربما صار كالذي بُدي - أي الذي ابتدأ به الكلام وسبق أن تحدث عنه وهو الحديث القريب الضعف الذي يرقى لرتبة الحسن بتعدّده .
المتروك
المتروك لغةً: اسم مفعول من ترك الشيء إذا خَلاّه وطرحه يقال تركه يتركه تركًا (16) .
واصطلاحًا: الحديث الذي في رواته متروك .
والراوي المتروك: من وجدت فيه خصلةٌ أو أكثر من الخصال الآتية:
1-أن يكون متهمًا بالكذب، وذلك يتبيّن بصور:
أ. أن يعرف بالكذب في حديثه دون تحديثه .
ب. أن لا يروي الحديث إلاّ من جهته ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة .
ج. أن يروي عن الثقات ما لا يتابعه عليه غيره، أو ما لا يعرف عنهم، ولا يُشْبه حديثهم (17) .
د. أن يكون مجهولًا ولا يروي عنه إلاّ الضعفاء . (18)
2-أن يكون فاسقًا ظاهر الفسق، وبه تسقط عدالته . (19) أن يكون كثير الغلط في حديثه حتى يفحش . (20)
3-أن يكون كثير الوهم كثير الغفلة . (21)
فالمتروك هو الحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو ظاهر الفسق أو كثير الغلط والغفلة والوهم .
والشاهد لكل ما مَرَّ ما يلي:
قال السيوطي في تدريب الراوي: [ فالحديث الذي راويه متهم بالكذب: بأن لا يُرْوَى إلاّ من جهته وهو مخالف للعواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي، أو كثير الغلط، أو الفسق أو الغفلة: سُمّي المتروك ] (22) .
ويقول أيضًا في ألفيته:
وسَمِّ بالمتروك فردًا تُصِبِ راوٍ له متهم بالكذب
أو عرفوه منه في غير الأَثَر ... أو فسقٍ أو غفلةٍ أو وَهْمٍ كَثُر (23) .
وفي مقدمة اللسان (24) لابن حجر مما يؤكد ما سبق ذكره .. [ قال ابن مهدي: قيل لشعبة: من الذي يترك حديثه ؟ قال إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر: طرح حديثه، وإذا أكثر الغلط طرح حديثه، وإذا اتهم بالكذب طرح حديثه، وإذا روى حديثًا غلطًا مجمعًا عليه فلم يتهم نفسه عليه طرح حديثه ... إلى أن قال .. قال ابن مهدي: الناس ثلاثة ... والآخر يهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه .. ] أ.هـ
وقال ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي: [ رواه الحديث أربعة أقسامٍ: من هو متهم بالكذب، ومنهم من هو صادق لكن يغلب على حديثه الغلط والوهم لسوء حفظه وهذان القسمان متروكان ] أ.هـ (25) .
الأحاديث المردودة بَيْن التقوية وعَدَمها
بعد أن ذكر الباحث مَنْ من الرواة يصلح حديثه للتقوية ناسب أن يذكر في ختام البحث حال الأحاديث وما الذي يصلح منها لأن يَتَقَوّى، ونحتاج لذلك أن نعدد أقسام الأحاديث المردودة . (26)
فالمردود من الحديث إمّا أن يكون لسقط أو طعن - سقط في السند، أو طعن في الرواة -
فالسقط يشمل المعلق والمنقطع والمعضل والمرسل والمدلس .
فالمرسل والمدلس يتقويان وأما سواهما فلا ؛ لأنا لا نعرف عن الساقط شيئًا، فهل هو ثقة أو لا ؟ وهل هو واحد أو أكثر ؟ وإذا وجد له متابع فهل المذكور فيه هو الساقط أم لا ؟
لأجل هذه الاحتمالات كلها صار الحديث الذي لم نعرف راويه كالعدم: لا يقوّى .
هذا، وإن المرسل وإن وجد فيه السقط، فإن وجوده في العصر الأول، وقبل أن يفشُوَ الكذب وتُقَعَّد قواعد الرواية على وجهها يجعله أحسن حالًا من غيره، فلذا صالح للتقوّي .
وأمّا الطعن فيشمل الموضوع والمتروك والمنكر وكلها سبق الحديث عنها .
وأيضًا المعلل وما فيه مخالفة [ بالإدراج والقلب والاضطراب والتصحيف ] . وأحاديث المبهم والمجهول والمستور وسيئ الحفظ [ سواءً كان لازمًا، أو طارئًا - كالمختلط- ] .
فسيئ الحفظ والمستور حديثهما يقوّى ..
وأما المعلل وما فيه مخالفة فإنه غير صالح للتقوية ؛ لما سبق في المنكر - فإن وجود المخالفة مانع للحكم على الحديث بالحُسْن ..
وأمّا المجهول والمبهم فحديثهما لا يُقَوِّي ؛ لما سبق في المنقطع .
هذا آخر ما تيسر إيراده في هذه العجالة وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه ،،،
(1) انظر: تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ، للدكتور / ربيع بن هادي عمير المدخلي ، ص 13 - 19، فقد ساق كثيرًا من تعريفاتهم للحسن وذكر ما فيها من إشكال .
(2) تمام المنة ص 31 ، 32 .
(3) انظر: مثلًا الباعث الحثيث ص 43 ، وحاشية أحمد شاكر عليه ، وشرح النخبة ص 258 ، والتدريب ( 1/176 ) .
(4) تمام المنة 410 .
(5) شرح الباعث الحثيث لأحمد شاكر ص 43 .
(6) قال في التدريب ( 1/346 ) : [ وإذا قالوا متروك الحديث ... فهو ساقط لا يكتب حديثه ولا يعتبر به ولا يستشهد ] وقال أيضًا ( 1/243 ) : [ .. متروك الحديث لا يصلح للمتابعات ] . وانظر: شرح الباعث لأحمد شاكر ص 116 ، وانظر: شفاء العليل لمصطفى بن إسماعيل ( 1/213 ) .
(7) حاشية الرفع والتكميل ص 153 .