يتناول الدرس بيان أن جميع مسئوليات الإنسان تنطلق من قاعدة واحدة , وهي أن الإنسان يحمل أمانة في هذه الحياة الدنيا، والأسس التي تحدد بها مسئوليات المسلم واجباته وحقوقه .
أولًا: الأمانة التي حملها الإنسان هي محور المسؤولية والحقوق والواجبات:
إن جميع مسؤوليات الإنسان تنطلق من قاعدة واحدة , وهي أن الإنسان يحمل أمانة في هذه الحياة الدنيا ]: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [72] [ سورة الأحزاب ، فهذه الأمانة هي ممارسة منهاج الله في واقع حياة الإنسان على الأرض؛ لذلك وهب الله الإنسان كل ما يلزمه لحمل هذه الأمانة , فتميز ببعض ذلك عن سائر المخلوقات، ومن أهم ذلك السمع والبصر والفؤاد ؛ لتكون المنافذ التي يستقبل بها آيات الله المبثوثة في الكون، ويستقبل بلاغ الأنبياء والرسل؛ فيعي الإنسان حقيقة الأمانة التي يحملها , فيؤمن بها , ويمضي للوفاء بها: ] قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [23] [ سورة الملك .
وحين تتعطل هذه القوى عن أداء مهمتها يهبط الإنسان إلى درك الأنعام ؛ بل إلى أضل من ذلك: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [179] [ سورة الأعراف.
ثانيًا: حقوق الإنسان منحة من الله ونعمة منه، وليست منّة من البشر
إن حقوق الإنسان نعمة من الله عليه؛ شرعها الله للناس جميعًا على مختلف المستويات والقدرات والمواهب ؛ حتى لا يتمايز الناس في ميزان الله بالأنساب والدم وأشباه ذلك، ولكن يتمايزون بالوسع والموهبة والقدرات , بالكفاءة والبذل والعطاء والتنافس في ميدان الحق والصلاح في سبيل الله حين يضم ذلك كله التقوى الجامعة في ميادين الحياة كلها: ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... [13] [ سورة الحجرات .
ثالثًا: الحق الأول للإنسان حماية فطرته وهو الحق الذي أهملته النظم البشرية
لقد كان من أهم ما عالجته رسالة الإسلام أخطر قضية في حقوق الإنسان، وأول حق من حقوقه؛ إنه ذلك الحق الذي أهملته شرائع الناس، وأهملته لجان حقوق الإنسان وجمعياتها وهيئاتها, إن هذا الحق هو حماية فطرته التي فطره الله عليها، والتي أودعها برحمته الإيمان والتوحيد وسائر الطاقات والميول ؛ لتعمل هذه الطاقات متصلة بالإيمان والتوحيد ؛ ليكون عمل الإنسان بعد ذلك عملًا متصلًا صالحًا، أما إذا انعزل العمل عن هذا النبع , أو جف النبع فلم يروه ؛ فيكون العمل فتنة وفسادًا.
رابعًا: الأسس التي تحدد بها مسؤوليات المسلم واجباته وحقوقه
تتحدد مسؤولية المسلم في واقع الحياة الدنيا على أسس أربعة , تتوازن من خلالها الحقوق والواجبات:
1-المنهاج الرباني: فالمنهاج الرباني يحدد التكاليف الربانية من تفكير وتدبر وإيمان وتوحيد وغير ذلك من تكاليف مفصلة.
2-الوسع: إن التكاليف الربانية هي في حدود وسع الإنسان عامة: ] وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [62] [ سورة المؤمنون, وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إذا أمرتكم بأمر فأتوا فيه ما استطعتم وإذا نهيتكم عنه فاجتنبوه] [رواه الشيخان] .
والوسع وسعان:
أ- وسع صادق؛ فالوسع الصادق هو الوسع الذي وهبه الله للإنسان , والذي سيحاسبه عليه.
ب- وسع كاذب , وهو الذي يدعيه الإنسان لنفسه ؛ ليسوغ تقصيره وعدم قيامه ببعض التكاليف الربانية دون عذر شرعي مقبول.
3-النظام الإداري والخطة والنهج: يجب أن تحدد بشكل واضح صلاحيات كل مستوى ومسؤولياته , وأن تحدد أشكال المراقبة والإشراف والتوجيه والمتابعة، ويدخل في ذلك التكاليف أو التعليمات الصادرة في أي مستوى من مستويات النظام الإداري.
4-الواقع: وهو يؤثر كثيرًا في مفهوم الوسع ، وفي النظام الإداري والخطة والنهج والتعليمات والتكاليف الصادرة عن ذلك، ويستطيع هذا الدور تحديد المسؤوليات والحقوق والواجبات بصورة متوازنة عندما يدرس الواقع , ويفهم من خلال المنهاج الرباني. انتهى
اسم الكتاب: المسؤولية الفردية في الإسلام …. تأليف الدكتور/ عدنان على رضا النحوي