الوسواس القهري [1]
لا أمل .. ولا حل .. إنها النهاية' صرخة تنفجر من أعماق طالما تألمت وعانت وقاست بل وحاولت الخروج من هذا البئر الغائر مرات ومرات ولم ينلها إلا انفلات يديها الصاعدة من على الجدران الزلقة ويأس عينيها من التطلع إلى النور في الأعلى إنه في كل حين وبعد كل محاولة فاشلة يتباعد ضوؤه ويقل هجه وتنخفض الرأس المتطلعة لرؤياه فتعود لا تنظر إلا إلى قعر البئر الغائر تري عمقه وتشعر برودة جدرانه فتفقد الهمة للصعود وتعود لا ترى إلا الهبوط والركون ... كلا وألف كلا ما هذه الحياة يغلفها اليأس والقنوط ما هذه الحياة التي تفقد قيمتها حين يفقد الإنسان قدرته على المقاومة والإرادة وتحقيق أحلامه وطموحاته ما تساوي هذه الحياة إذا تحول الإنسان فيها إلى مجرد كيان مادي جسدي محطم النفس والروح كلا ما لهذا خلقنا الله تعالى وما لهذا فضلنا على باقي الخلائق إنما هو الطموح والإرادة إنما هو التصميم والمثابرة إنما هو الأمل لا ينقطع أبدًا والصبر يتجدد دوما وتأملوا معي هذا الحديث النبوي الشريف.
'ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء علمه من علمه وجهله من جهله' جبال الحكمة وأطنان الأمل وينابيع الرحمة تنفجر عيونا من هذا الحديث النبوي الشريف لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم وكيف لا وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ومنتهى البلاغة وهداه الله قلبا يفيض بالرحمة على الخلق كلهم حيهم وميتهم جمادهم ومتحركهم فهو يبث الأمل في النفوس ويشع اليقين للقلوب ومنه هذا الحديث الذي ننطلق منه ها هنا في حوارنا كيف ذلك؟ تابعونا:
[1] 'ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء' يقين لو ملأ جوانح المسلم وقلبه لما تسرب اليأس إلى النفوس ولما تسرب الشيطان إلى القلوب بالقنوط من رحمة الله تعالى أو الإحباط من تكرار المحاولة إنه الدواء خلقه الله كما خلق الداء إنه الحل أوجده الله تعالى كما أوجد المشكلة مثلا بمثل فكما ترى المشكلة أو المأساة رأي العين فكذا الحل كن على يقين أنه قريب منك رأي العين فالذي خلق هذا خلق هذا سواء بسواء ولكنه اليقين والثقة فأين تراها ذهبت؟ {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22] إنه الإيمان بالغيب مناط الامتحان في الدنيا لم يعدهم الله ورسوله التضييق والقتل وإنما وعدهم النصر ولكنهم رأوه حقيقة عيانا كما يرون بأعينهم الأحزاب قد اجتمعوا لقتالهم والقضاء عليهم تأمل معي هكذا وستتأكد أن الله تعالى في كل الامتحانات والمواقف التي نتعرض لها في الدنيا إنما يمتحن فينا إيماننا بالغيب ولما وصف الله تعالى في مفتتح كتابة أهل الإيمان كانت أول صفاتهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3] ثم بعد ذلك بين لنا الوسائل التي بها يزرع العبد هذا الإيمان بالغيب في القلوب عن طريق الإتيان بالعبادات الشرعية بالصورة السليمة'.
الذين يقيمون الصلاة .. 'إنه في نهينا عن المنكرات إنما يمتحن إيماننا بالغيب بعدم بيان الحكمة من النهي في كثير من الأحيان ومع ذلك نطيعه للإتباع والإيمان بالغيب أنه تعالى أخبرنا أنه حرم هذا وانتهى وكذا في الأوامر إنما هو التنفيذ والإتباع والتسليم وهو حقيقة الإسلام في مضمونه ومجمله وتفصيله إنه اليقين بأن كل ما أخبرنا به الله تعالى حق وكذا ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم ثم كيف يكون حال المسلم وهو على يقين أن الدواء لهذا الداء أو ذاك موجود مخلوق وإنما يلزم بذل الجهد فقط لتحصيله إنه لا ييأس ولا ييأس أبدا ولا يمل ولا يكل فهو في معين الرضا والاطمئنان أن الأمر ما هو إلا مسألة وقت فقط وأنه إن تأخر فإنما يؤدي عبادة الوقت ألا وهي الصبر والرضا والثقة بالله ورحمته لعباده وعدم إساءة الطن بربه تعالى وحتى وهو يقضي الوقت يبحث عن الحل فهو يؤجر على ذلك ولا يضيع بحثه وبذله سدى بل الله تعلى يحفظه له ويبارك له فيه فبوركت والله هذه الحياة التي تمتلئ رضا بالله واختياره لعبيده حتى والعبد من أصعب اللحظات لا يفقد الوصلة بربه وأنه الرحيم بأنه وإنما يرفع درجته ويعلي مكانته فياله من بؤس ينقلب نعيمًا ويا لبؤس من فقد هذا اليقين كم تنقلب حياته هما وغما وهو يرفل في أثواب الصحة والنعيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة غمسة فيقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول لا يا رب ويؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيغمس في النار غمسة ويقال له: هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب' إنه اختلاف المقاييس يحفظه الموقن جيدًا ويغفل عنه من لا يعرف الله تعالى حق المعرفة فحقًا' ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء'.