إبراهيم عاصي *
... وإنه ما لم يحصل هذا الانفتاح ، فيقارع الرأي الرأي ، وينازل الفكر الفكر، منازلة علنية تحت ضوء الشمس ، حرة متكافئة ، بلا كبت ولا قهر ولا إبعاد .. إنه ما لم يحصل ذلك فإن الحقيقة تظل غائبة ضائعة ولا تتمحص ! وهذا ليس من مصلحة الإنسان في شيء .
أيها السادة:
بعد هذا الاستطراد السريع ، وقبل البدء بقراءة نص البحث الذي هو موضوع محاضرتنا لهذه الأمسية ..اسمحوا لي أن ألفت عنايتكم إلى النقاط التالية:
1 ـ إن عبارة (للأزواج فقط) تمثل عنوان المحاضرة وليس موضوعها . وهذا العنوان أشبه ما يكون (بالمانشيت) الصحفي ليس أكثر. إذ أن الموضوع ذو مساس بالأزواج وغير الأزواج من الجنسين ، ممن هم على أهبة الزواج القريب أو البعيد ، أو ربما على أهبة الطلاق أيضًا !!
حجر الزاوية في الموضوع هو (ظاهرة الخيانات الزوجية) إلا أن البحث يتشعب بعد ذلك ليتناول أمورًا فرعية متعددة . وذلك عندما يتعرض الحديث إلى أسباب الظاهرة ونتائجها وكيفية علاجها .
2 ـ لقد اصطنعت للبحث أسلوب الحوار بين اثنين أحدهما يسأل ، والثاني يجيب . وما ذلك إلا تحاشيًا مقصودًا مني لطريقة السرد المباشر الرتيب ، التي من شأنها أن تدخل السأم والملل إلى نفس السامع عندما تطول .
3 ـ إن المنطق العام للبحث ليس أرضية مجتمع بلدنا الضيق المحدود .. لا ، وإنما هي أرضية المجتمع العربي العام ، وحتى غير العربي من المجتمعات الأخرى . وأرجو ألا أكون في هذا مبالغًا .
4 ـ قد يلاحظ السامع فيما يلي ، أنني ألجأ أحيانًا إلى عبارات تبدو فيها الصراحة فاقعة ، إن لم نقل جارحة أو محرجة لمشاعر بعض الحاضرين ، أو الحاضرات !!
وعذري الذي أبديه سلفًا ، هو أنني رأيت الصراحة في الحديث كالخط المستقيم في الهندسة . فكما أن الخط المستقيم في الهندسة هو أقصر بعد بين نقطتين .. كذلك الصراحة هي أسلم طريق للفهم بين متخاطبين ، لا سيما إذا كان التخاطب ينحو منحى الحديث الموضوعي ، الهادئ المتئد .
والآن هيا بنا في جولة مع الأزواج .. ولكن ليس مع الأزواج فقط !!
قلت لمحدثي: قد أفهم جنوح بعض العزبان من الشباب والفتيات نحو ارتكاب الخطيئة ، ولكنني لا أفهم أبدًا السبب في الخيانات الزوجية ، التي بدت أسمع عنها الكثير من الناس ، أو أقرأ عنها باستمرار في صفحات"أخبار المجتمع"وزوايا"مشكلات اجتماعية"لكثير من الجرائد والمجلات !!
قال: وما السبب في أنك تفهم أحيانًا ، ولا تفهم احيانًا أخرى ؟
قلت: بالنسبة إلى غير المتزوجين ، قد يفهم الأمر على انه بحث عن إطفاء شهوة وإشباع غريزة ، لم تتح لهم الظروف بعد أن يشبعوها بالحلال ، فجنحت بهم نفوسهم الأمارة بالسوء بوسوسة من شياطينهم ، فأطفئوها بالحرام ..
أما بالنسبة إلى المتزوجين فإنني لا أفهم الأمر على أنه بحث عن إطفاء شهوة أو إشباع غريزة ، لأن ذلك متيسر لهم متى شاءوا حلالًا طيبًا !!
قال: بل يجب أن تفهم الأمر في حالته الثانية ، على أنه أيضًا بحث عن إطفاء شهوة حرام وإشباع غريزة .
قلت: ولماذا الزوجة إذن ؟ بل لماذا الزواج أصلًا ؟!.
قال: هذا هو السؤال الوجيه الذي أنتظره منك .
قلت: وجب عليك إذًا أن تعطيني الجواب شافيًا .
قال: لك ما تريد .. إن الزوج ـ ذكرًا أو أنثى ـ خلق ليلبي أكثر من حاجة في حياة زوجه الآخر.
ومن ذلك: الحاجة الطبيعية المعروفة التي يترتب على تلبيتها دوام الجنس وإنجاب الأولاد وعمارة المجتمع . وبعبارة أخرى ، إن الغاية من الزواج بشكل عام هي: سكينة النفس ، بناء الأسرة ، استمرار النوع ، تلبية الرغبات الطبيعية عند كلا الجنسين بالطريق الطبيعي ، وبذلك يتميز الإنسان من الحيوان . إلا أن خللًا ما قد يطرأ على الحياة الزوجية ، فيفسد توازنها ، وذلك عندما تتعطل إحدى وظائف الزواج..
عندها يساق أحد الزوجين سوقًا إلى الملل فالقرف . فالخيانة وما يتبع ...
قلت: وكيف ذلك ؟ أنا لم افهم عليك كيف يصل الأمر إلى جد"الخيانة وما يتبع ..."!
قال: تريث وأنا كفيل بإفهامك . ولكن قل لي أؤحدثك أولًا عن الخيانة الزوجية وأسبابها لدى الأزواج أم لدى الزوجات ؟
قلت: على رأيك .. وإذا لم يكن لديك مانع ، فلا بأس بأسبابها عند الأزواج .
قال: الأسباب كثيرة ، ولكن أبرزها في رأيي هو"عدم التكافؤ".
قلت: وما عدم التكافؤ هذا ؟
قال: عدم التكافؤ له وجوه عديدة .. فهناك عدم التكافؤ في السن ، كأن تكون الزوجة أكبر من زوجها بشكل لا يحتمل . وعدم التكافؤ في الشكل . كأن تكون الزوجة دون المستوى الذي يطمح إليه الزوج من الحسن أو تناسق الخلق . وعدم التكافؤ المزاجي والعاطفي ، كأن تكون الزوجة نزقة انفعالية متغطرسة ، وهو متمهل متواضع وقور. وعدم التكافؤ الثقافي ، كأن تكون أمية وهو متعلم مثقف . إلى آخر ما هنالك من حالات وتناقضات ...
قلت: وماذا أيضًا من أسباب ؟
قال: (المجتمعات المفتوحة) .
قلت: وماذا تعني بالمجتمعات المفتوحة ؟