محمد أبو رمان 28/9/1425
منذ سنوات والحديث يدور في أوساط ثقافية وسياسية عربية عن موضوع التطرف الديني وروافده المختلفة، وفي الوقت الذي نقر فيه بانتشار ظاهرة التطرف الإسلامي على نطاق اجتماعي محدود، فإنّ ما ينبغي إدراكه من قبل المعنيين والمثقفين هو"التطرف الآخر"المضاد للتطرف الديني، والذي يشكل رافدًا رئيسًا لتعزيز التطرف الديني كاتجاه معاكس له، في ظل شروط سياسية واقتصادية واجتماعية توفر التربة الخصبة لنمو بذور التطرف الديني والسياسي بأشكاله المتعددة.
وما دفعني إلى إثارة هذا الموضوع هو مقال الصديق (جمال سلطان) بعنوان"استضعاف الدين واستنبات التطرف"، والذي تناول فيه اتهامات الكاتب المصري أسامة أنور عكاشة للصحابي عمرو بن العاص (رضي الله عنه) ، وإن كنت أختلف مع جمال فيما ذكره بحق أسامة أنور عكاشة -على ما بيننا وبينه من مسافة فاصلة في الرؤى السياسية والفكرية-، وأعتقد أن عكاشة فقط ضل سبيله بالمصطلحات وأبعد النجعة في قراءة مساحة تاريخية اعترف -هو نفسه- أنه غير ملمٍّ بها، لكن هذا لا يعني موافقتي لجمال سلطان على تهجمه الكبير على شخص عكاشة؛ فالرجل ليس من رجال السلطة، ولا يستقوي بها على الإسلاميين، وليس متخصصًا في تاريخ المومسات والراقصات كما وصفه جمال، وإنما كاتب وروائي مبدع، نختلف معه في كثير من المواقف والأفكار، ولا ننقصه حقه في مجال الكتابة الأدبية المبدعة. على أية حال، الاختلاف في وجهة النظر لا يفسد للود قضية.
إلاّ ان ملاحظة جمال سلطان تنقلنا إلى ظاهرة أخرى في الإعلام والثقافة العربية هي أحق بأن توسم بعنوان مقاله"استضعاف الدين واستنبات التطرف"؛ لأنها بالفعل ظاهرة مقززة ومخزية، ولا تعبر سوى عن عقد نفسية وإفلاس فكري وفني فاضح من قبل نفر ممن يحسبون أنفسهم على الفن العربي، لم يجدوا هذه الأيام العصيبة سوى موضوع الجهاد والمجاهدين والإسلام ليمارسوا هواية السخرية والاستهزاء بها، وكأنهم نبت غريب منبت الصلة عن المجتمعات المسلمة التي تعلي من شأن هويتها الإسلامية، وتقفز قلوبها كل حين لما يحدث في العراق والفلوجة وفلسطين!.
نعم، ثمة نفر من"الفنانين"فقدوا البوصلة، خرجوا عن كل معاني الأدب والأخلاق ومارسوا تهكما شنيعًا تجاه شعائر إسلامية كالجهاد، وتضحيات المسلمين في الفلوجة؛ فهناك في الأردن من أعمى الله بصره وبصيرته ولم يعد يرى أمام ناظريه سوى الآيات القرآنية ليستهزئ بها، ويتهكم على معانيها، وهو الأولى بأن يتهكم عليه عندما ذهب يعرض بضاعته الكاسدة هناك للكيان الصهيوني، فما وجد منهم إلا الصدود والرد، وعاد من معه يعلنون توبتهم، ولم يجد اليوم ليعود إلى الساحة، وينال شيئًا من الحظوة لدى من يقتلون الأبرياء والأطفال والمدنيين العزل في الفلوجة ورام الله وجباليا إلا ممارسة التهكم على المجاهدين والآيات القرآنية. أما في الكويت فقد أصبحت دماء الأبرياء والمجاهدين هناك مجالًا للسخرية والتهكم من قبل نفر من الفنانين الذين تجمدت الدماء في عروقهم وفقدوا الإحساس بأمتهم، ليصبح بالنسبة لهم من أصر على الدفاع عن أرضه وعرضه ودينه -ولم يهرب تاركًا منزله وأهله وأمواله- مجالًا للسخرية!، وفي السعودية (طاش) سهمُ بعض الفنانين، فلم يعودوا يرون إلا العلماء والمتدينين لتقديمهم بصورة هزلية كاريكاتورية!.
إن ما يفعله هذا النفر من الفنانين ليس سوى إثارة لمشاعر الغضب الديني وتأجيج لنزعات التطرف الديني الذي لا نقبله، ولكن هذه الأعمال"اللافنية"هي أحد الروافد الرئيسة لهذا التطرف، ودفع بعدد كبير من الشباب المتحمس لرد فعل مضاد، فالتطرف هو الذي ينبت التطرف! وما حدث مع سلمان رشدي مثال صارخ على ذلك..