فهرس الكتاب

الصفحة 10323 من 27345

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد

فإنَّ من أقوى الأسباب والوسائل التي تساعدُ على تأصيل المفاهيم وإيضاحها، هو التحديد والتحرير، للمصطلحات التي تستخدم وتطلق على مفهومٍ معين، أو موقف محدد، كما أنَّ تحديد الألفاظ والمواضع يساعدُ أيضًا على الفصل في الأمور، وعدم اختلاط بعضها ببعض.

وإنَّ من المصطلحات التي تحتاجُ إلى إيضاحٍ وتحديدٍ وتحرير، هو هذا الموضوع الذي نحن بصدده، ألا وهو تحديد مفهوم المداراة، والمداهنة، والفرق بينهما، وما ينشأ عن كلٍ منهما من مواقف.

ولقد اخترتُ هذا الموضوع وذلك لخطورةِ الخلط بين هذين الأمرين، وما ينشأُ عن ذلك من مواقف عمليةٍ خاطئة، خاصة في هذا العصر الذي من سماته التناقض والاضطراب، وفي مثل هذه الأجواءِ يتعرض المسلم لكثيرٍ من المواقف، التي تفرضُ عليه المداراة، وقد يقع في المداهنةِ وهو يحسبِ أنها مداراة.

وقد يحصلُ العكس في هذه القضية، حيثُ يوجدُ من يرفض أي أسلوبٍ للمداراة، والتي قد تكون واجبةً في بعض المواقف، ظانًّا أنها مداهنة، ومعلومٌ ما ينشأ من هذا الخلط من مفاسد أو تفويت مصالح.

من أجل ذلك كله وقع الاختيار على هذا الموضوع.

أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما فيه، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يؤتنا الحكمة بفضله ورحمته، (( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) ).

تعريف المداراة:

بوَّب البخاري- رحمه الله تعالى- في المداراة بابًا كاملًا، في كتاب الأدب وأسماهُ ( باب المداراة مع الناس ) .

وذكر الحافظ ابن حجرٍ- رحمه الله تعالى-: (( أنَّ أصلها الهمز لأنَّهُ من المدافعةِ والمراد به الدفع برفق ) ) [1] .

وذكر صاحبُ القاموس المحيط، في معنى درأه: أي جعلهُ درءًا، ودرأه أي دفعه وتدا رأوا: أي تدافعوا في الخصومة.

أما المداهنة:

فقد ذكر الحافظُ ابن حجر- رحمه الله تعالى- أنَّ المداهنة من الدهانِ، وهو الذي يظهرُ على الشيءِ ويسترُ باطنه ) [2] .

وذكرَ صاحب القاموس المحيط: أنَّها إظهار خلاف ما يضمر.

وبهذا التعريف يتبينُ خطرَ المداهنة، وما تُؤدي إلى ضياعِ الدين كله أو بعضه، وأنَّ في المداراةِ مندوحة عن المداهنة.

وأزيد هذا الأمر إيضاحًا ببعض الآيات من كتاب الله عز وجل، وبعض الأحاديثِ التي حذرت من المداهنة، وأذنت في المداراةِ مع ذكرِ أقوالِ المفسرين والمحدثين حولها.

الأدلة الناهية عن المداهنة

يقول الله عز وجل: (( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) ) ( القلم:8، 9 ) .

ولعلماء التفسير أقوالٌ مختلفة في معنى المداهنة، يجمعها معنى واحد كما سيتضحُ ذلك من عرضِ أقوالهم، وأنَّ الاختلاف هُنا اختلافُ تنوعٍ لا اختلاف تضاد.

نقل القرطبي- رحمه الله- في تفسيره عن ابن عباس- رضي الله عنهما- وعطية والضحاك والسد ي في قوله تعالى: (( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) )، ودُّوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم.

وعن ابن عباس أيضًا: ودُّوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.

وقال الفراء والكلبي: لو تلين لهم فيلينون لك.

والإدهان: التلين لمن لا ينبغي له التليين، قاله الفراء .

وقال مجاهد: المعنى ودُّوا لو ركنت إليهم، وتركت الحق فيمالئونك، إلى أن قال. وقال الحسن: (( ودُّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونكَ في دينهم... إلخ.

ثم قال القرطبي قلت: كُلَّها إن شاءَ الله صحيحة على مقتضى اللغةِ والمعنى، فإنَّ الإدهان: اللينُ والمصانعة، وقيل مُجاملة العدو ممايلته ) [3] أهـ.

ويعلق سيد قطب- رحمه الله تعالى- حول هذه الآية فيقول: (( ... فهو المساومة إذن، والاعتقاد في منتصفِ الطريق، كما يفعلون في التجارة، وفرقٌ بين الاعتقادِ والتجارة كبير، فصاحبُ العقيدة لا يتخلى عن شيءٍ منها، لأنَّ الصغير منها كالكبير، بل ليس في العقيدة صغير وكبير، إنَّها حقيقةٌ واحدةٌ متكاملة الأجزاء، لا يطيعُ فيها صحابها أحدًا، ولا يتخلى عن شيءٍ أبدًا، وما كان يمكنُ أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصفِ الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق ) ) [4] .

يقول الله عز وجل: (( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) ) (الإنسان:24) ، ويقول الله عز وجل: (( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) ) (الإسراء:75.)

من الآيات السابقةِ يتبينُ أنَّ المداهنةَ مُحرمةٌ بجميع صورها، لأنَّ محصلةَ أعمال المداهنة هو النقص في الدين والنيل منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت