فهرس الكتاب

الصفحة 10324 من 27345

والحاصلُ أنَّ أيِّ عملٍ تتعارضُ فيه المصالح والمفاسد، فإنَّ ما كان محصلتهُ ثلم الدين أو أهله فإنَّه محرمٌ ولا يجوزُ الإقدامُ عليه، بل تجبُ فيه المداراة.

وما كان محصلتهُ الإبقاء على الدين والمحافظةِ عليه، فإنَّهُ جائزٌ فعله، بل واجبٌ في بعض الأحيان، كما توضحُ ذلك الأدلة التالية:

1-يقول الله عز وجل: (( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ) (الأنعام: 108 ) .

ففي هذه الآية الكريمة نهيٌ للمؤمنين من أن يسبُّوا المشركين وآلهتهم، ومعلومٌ جوازُ سبِ آلهة المشركين استقلالًا، ولكن لمَّا كان يترتبُ على ذلك سبٌّ الله عز وجل وتعالى علوًّا كبيرًا، لذلك نهي المؤمنون عن هذا العمل، وذلك من بابِ المداراة، والتي محصلتها المحافظة على الدين ولو في المآل.

والأدلةُ على جوازِ المداراة أو استحبابها أو وجوبها أحيانًا ما يلي:

2-يقول الله عز وجل في وصف المؤمنين من أهل الكتاب، ويمدحهم بذلك قوله تعالى: (( وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) ) (القصص: 54) .

ذكر القرطبي في قوله تعالى: (( وَيَدْرَأُونَ ) )أي ( يدفعون، درأتُ إذا دفعتُ، والدرءُ الدفع. وفي الحديث(( أدرءوا الحدود بالشبهات ) ) [5] . قيل: يدفعون بالاحتمالِ والكلامِ الحسن الأذى . وقيل: يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب.

وعلى الأولِ فهو وصفٌ لمكارمِ الأخلاق، أي من قالَ لهم سُوءًا لا ينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهي في صدر الإسلام، وهي مما نسختُها آيةُ السيف، وبقي حُكمها فيما دُون الكُفرِ، تتعاطاهُ أمةُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم القيامة.

ومنه قوله- عليه الصلاة والسلام- لمعاذ ?: (( وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) ) [6] ، ومن الخلق الحسن دفعُ المكروهِ والأذى، والصبر على الجفا، بالإعراض عنهُ ولين الحديث) [7] أ هـ.

والدليل من السنة: ما بوَّبَ له البخاري بقوله »باب المداراة مع الناس« حيث قال:

-ويذكرُ عن أبي الدرداء: (( إنا لنُكشرُ في وجوهِ أقوامٍ وإن قلوبنا لتلعنهم ) ).

-وعن عائشة- رضي الله عنها- أنه استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: (( ائذنوا له فبئس ابن العشيرة ـ أو بئس أخو العشيرة ) )فلما دخل ألانَ له الكلام، فقلت له: يا رسول الله قلتَ ما قلت ثمَّ ألنت له في القول ؛ فقال: (( أي عائشة: إنَّ شرَّ الناسِ منزلةً عند الله من تركه - أو ودَعه - الناس اتقاء فحشه ) ) [8] .

وعلق الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى- على هذين الحديثين بقوله ( مختصرًا ) .

( قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفضُ الجناحِ للناسِ، ولينُ الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة.

وظن بعضهم أنَّ المداراة هي المداهنة فغلط، لأنَّ المداراة مندوبٌ إليها والمداهنة محرمة، والفرقُ: أنَّ المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهرُ على الشيءِ ويستر باطنه.

وفسرها العلماء بأنها مُعاشرةُ الفاسقِ، وإظهارُ الرضا بما هو فيه، من غير إنكارٍ عليه.

والمداراةُ هي الرفقُ بالجاهل في التعلم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطفِ القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك ) [9] .

وعلقَ على حديث عائشة- رضي الله عنها- في باب »لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا متفحشًا«.

وقال القرطبي: في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق، أو الفحش، ونحو ذلك من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم، مالم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى.

ثم قال تبعًا لعياض: والفرق بين المداراةِ والمداهنةِ: أنَّ المداراةَ بذلُ الدنيا لصلاحِ الدنيا، أو الدينِ أو هما معًا، وهي مُباحةٌ وربما استحبت؛ والمداهنةُ ترك الدين لصلاح الدنيا،. أهـ [10] .

ومزيدًا للفائدة حول هذا الموضوع، ننقل مقتطفات مما ذكره الإمام أبو حاتم البستي في كتابه، روضة العقلاءِ ونزهة الفضلاء في »ذكر استعمال لزوم المداراة وترك المداهنة مع الناس«، حيثُ قال: أنبأنا محمد ابن قتيبة اللخمي بعسقلان، وعمر بن سعيد بن سنان الطائي بمنبج ـ قالا: حدثنا ابن واضحٍ، حدثنا يوسف بن أسباط، حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( مداراة الناس صدقة ) ).

قال أبو حاتم: الواجبُ على العاقلِ أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة، من غير مفارقة.

إذ المداراةُ من المداري صدقة له، والمداهنةُ من المداهنِ تكونُ خطيئة عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت