فهرس الكتاب

الصفحة 10325 من 27345

وقال: الواجبُ على العاقلِ أن يُداري الناس مداراة الرجل السابح في الماءِ الجاري، ومن ذهب إلى عشرةِ الناس من حيث هو كَدَّر على نفسه عيشه، ولم تصفِ له مودته، لأنَّ وداد الناس لا يُستجلبُ إلاَّ بمساعدتهم على ما هُم عليه، إلاَّ أن يكون مأثمًا، فإذا كانت حالةُ معصيةٍ فلا سمع ولا طاعة.

وروى بسنده عن المدائني قال: قال معاوية ?: (( لو أن بيني وبين الناس شعرةً ما تقطعت ) )؛ قيل: وكيف ؟ قال: (( لأنهم إن مدوها خليتها وإن خلَّو مددتها ) ).

وكذلك روى بإسنادهِ أن أبا الدرداء ? قال لأم الدرداء: (( إذا غضبتُ فرضيني، وإذا غضبت رضيتك، فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق ) ) [11] أهـ.

ويقول الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- في الفرق بين المداراة والمداهنة، وخطورة الخلط بينهما: (( وكذلك المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذم، والفرق بينهما: أنَّ المداري يتلطفُ بصاحبه حتى يستخرج منه الحق، أو يرده عن الباطل، والمداهنُ يتلطفُ به ليقره على الباطل، ويتركه على هواه، فالمداراةُ لأهل الإيمان، والمداهنةُ لأهل النفاق، وقد ضُرب لذلك مَثَلٌ مُطابق، وهو حالُ رجلٍ به قرحة قد آلمته، فجاءهُ الطبيب المداوي الرفيق، فتعرف عليه، ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت، أخذ في بطها برفقٍ وسهولة، حتى أخرج ما فيها، ثم وضع على مكانها من الدواءِ والمراهم ما يمنعُ فساده، ويقطعُ مادته، ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم، ثم يذرُ عليها بعد نبات اللحم ما يُنشفُ رُطوبتها، ثم يَشُدُّ عليها الرباط، ولم يزل يُتابعُ ذلك حتى صلحت.

والمداهنُ قال لصاحبها: لا بأسَ عليك منها، وهذه لا شيءَ فاسترها عن العيوب ( [12] ) بخرقة، ثم ألهاهُ عنها، فلا تزالُ مادتها تقوى وتستحكمُ حتى عظُمَ فسادها [13] . أهـ.

من هذا البيان الشافي يتبين لنا حقيقة المداراة والمداهنة، وأنهما ضدانِ لا يجتمعان؛ إذ أن المداراةِ صفةُ مدح، وهي لأهلِ الإيمان، بينما المداهنةُ صفةُ ذمٍ، وهي لأهلِ النفاق.

الخلاصة:

مما سبق يتبينُ لنا ذلك الفرق الواضح بين المداهنة والمداراة، وأنَّهُ لا يجوزُ لنا بحالٍ من الأحوال أن نخلطَ بين هذين المفهومين حتى لا نثلمَ ديننا بحجةِ المداراة، أو أن نُقدم على أمورٍ يعقبها مفاسد على هذا الدين، خوفًا من أنَّ إحجامنا عنها يوقُعنا في المداهنة، وما أجمل التفريق السابق الذي نُقل عن الحافظ ابن حجر في كتاب الفتح، وذلك في

كتاب الأدب، في باب مداراة الناس- حيث أجدني مضطرًا لإعادتهِ مع بعض التصرف.

فالمداهنة: أن يتنازلَ المرءُ عن شيءٍ من دينهِ ليحافظ بذلك على دنياهُ أو عرضه.

والمداراة: أن يتنازلَ المرءُ عن شيءٍ من دنياهُ أو عرضه، ليحافظ بذلك على دينهِ أو دنياه، أو هما معًا.

وأخيرًا: نستطيع القول بأنَّ حقيقة المُداراة أو المداهنة مبنيٌ على قاعدةٍ شرعيةٍ عظيمة، ألا وهي »قاعدة سد الذرائع«، فما كان ذريعةً لثلمِ الدين أو أهله بصفةٍ خاصة أو عامة، فهو مداهنة، وما كان ذريعةً لحفظِ الدين وأهله بصفةٍ خاصةٍ أو عامة، فهو مُداراة، ومن أوضحِ الأمثلةِ للمداراةِ تلك القصة المشهورة عن حذافة السهمي ?، حيثُ دَفع القتلُ عن أسارى المسلمين بتقبيلهِ رأس ـ النصراني الكافر ـ ملك الروم.

وختامًا: أنصحُ نفسي وإخواني من الدعاة أفرادًا وجماعات، أن يُولوا هذا الموضوع أهميةً كبيرة، وأن يصنفُ المسلمُ أقوالهُ وأعمالهُ على ضوءِ هذه القاعدة الشرعية العظيمة، حتى لا نقعُ في المداهنة، المعلوم حرمتها، ظنًا منا أنها مُداراة أو نُجازفُ في أمورٍ تعودُ بالمفسدةِ على هذا الدين أو أهله، ظنًّا منَّا أنَّ الإحجام عنها مُداهنة فنكونُ

كالمستجيرِ من الرمضاءِ بالنار.

والأمثلةُ في هذين الجانبين المتقابلين كثيرةً وكثيرة، وليس هذا محلُ ذكرها، ولا هو قصدي من هذه المقالة، بل أردتُ الذكرى والتنبيه على ضرورةِ تحديد هذين المفهومين، وإزالةِ ما اشتبك بينهما، حتى يتضحَ كلُّ مفهومٍ عن الآخر، وأنهما شيئانِ متقابلان، ولفظان متغايران لا مترادفان.

أسألُ الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يُلهمنا رُشدنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[1] فتح الباري: 10 / 545.

[2] فتح الباري: 10 / 545 .

[3] تفسير القرطبي 18 / 230 .

[4] في ظلال القرآن: 6 / 3658 .

[5] ذكره الترمذي بلفظ: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم) (1424) .

[6] الترمذي (1987) ، وقال: حديث حسن.

[7] تفسير القرطبي: 13 / 298 .

[8] فتح الباري: 10 / 544 (دار الريان) .

[9] فتح الباري: 10 / 545 (دار الريان) .

[10] فتح الباري: 10 / 469 (باختصار) (دار الريان ) .

[11] روضة العقلاء: ص70 دار الكتب العلمية.

[12] (العيوب) كذا بالأصل ، ولعل الصواب هو: ( العيون ) .

[13] الروح ص: 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت