فهرس الكتاب

الصفحة 19951 من 27345

في الذكرى الثالثة لسقوط بغداد: أدبيات هزيمة

الزحف الأميركي الظالم على ارض الرافدين وما تبعه من أحداث يأتي من باب التوجه المدروس للإدارة المحافظة التي تستخف تصريحات زعمائها بعقول البشر، فلماذا لم يهاجموا الكونغو لإحداث تغيير في النظام السياسي؟ ولماذا لم يحرروا فلسطين المحتلة التي قضمت أرضها بفعل السرطان الاستيطاني والتي تتعرض لأسفل احتلال عرفه تاريخ البشرية؟ إذا كانوا يتشدقون بتحرير العراق، إذن المشروع الغربي في العراق يرمي إلى إذلال الإنسان العراقي والعربي وكسر إرادته وتحطيم عنفوانه والاستيلاء على خيراته وتكسير أي طموح عربي لبناء قوة يُحسب لها واختراق العمق العربي وتفتيته وجعل الكيان الصهيوني صاحب الخيوط المنسوجة لتدمير العراق ينام ليلًا طويلًا.

يُخطئ من يعتبر أن بغداد سقطت في التاسع من نيسان (ابريل) عام 2003! ألمْ تكن الدبابات الأميركيه تخترق أجواء ظلام العراق في العزيزيه في العام 1991 التي لا تبعد عن بغداد سوى بضعة كيلومترات؟ ألم تسبح قطاعات الجيش الأميركي في بحر الصحراء الجنوبية مارة من أطراف البصرة مرورًا بالناصرية والسماوة في الفترة نفسها؟ ما هو الدافع الذي جعل الولايات المتحدة توقف زحفها نحو بغداد لإسقاط النظام هناك؟ ألمْ تكن الطائرات الاميركيه تجوب سماء العراق من زاخو شمالًا حتى الزبير جنوبًا؟ لقد كان عراق العرب محتلًا، فالجو مستباح والماء مستباح والصحراء مستباحة، لكن وجود صدام حسين في السلطة كان يخدم الحركة الامبرياليه في ذلك الوقت بدليل ترك الجنوب العراقي لعصي النظام خلال انطلاق الثورة في الجنوب وعدم إسناد الحركات الشيعية التي أدركت في وقت متأخر أن الغطاء الغربي قد كشف فأصبحت تحت ظل الغضب السلطوي.

كنت أدرك أن العنصر العربي مهزوز ومهزوم وأن بنيان العزة عند كل إنسان عربي متصدع من القمة حتى ما دون الأسفل، فهذا المجتمع الذي اصبح يعيش على الهزيمة ويموت على حب الحياة، اصبح للأسف من دون إحساس. لم أتخيل أن أرى (دبابات) برامز وبرادلي تتحرك فوق جسر الجمهورية وأقول لنفسي، وقع الأميركيون في الفخ، الآن سيسقط الجسر، نعم سينفجر بروح العزة العربية وستغرق المياه كل الجنوب العراقي، لست من توقع وحده. فهناك كثيرون مثلي، ترقبوا سقوط برامز في دجلة، لكن برامز وبرادلي تعلمت الشموخ من نخل الجنوب وهي في طريقها إلى عصر المجد العربي في قلب الدولة العباسية، كانت عيني تُؤكد الحقيقة لأنني اعرف المكان جيدًا وها هي برادلي تصوب حممها باتجاه فندق المنصور - ميليا وتستدير لتلقي بقذائفها البركانية على وزارة الدفاع في مبناها القديم، كان هناك صيادو الصور وفي أيديهم الكاميرات من النوافذ وكل واحد منهم يتلهف لالتقاط صورة نادرة عله يحصل على وسام شرف من الدرجة الأولى من مؤسسته، كان المغول ومعهم هولاكو يحرقون كل شيء، حتى الماء أُشعلت في قلب دجلة، لم تكن نكبة فلسطين ولا نكستها اقل وقعًا من مشاهدة الهزيمة العربية تتسارع في شوارع الرشيد.

لقد أربك مراسل قناة «فوكس» الجميع، فقد كان بالمرصاد ليحصد الكم الأكبر من صور العار العربي حتى يرسلها إلى فضائيات العالم كله، نعم لقد صرخت الهزيمة ألمًا في تحديها نموذج الإذلال العربي، فقد كانت هزيمة مدوية سجلها التاريخ في كل صفحاته فلم نعرف قيمة الحرية إلا عندما وصل الاحتلال الى أبواب بغداد الثمانية!

هناك أصوات الآن تتعالى هنا وهناك عن طبيعة الإنجازات التي تمت بعد إسقاط النظام العراقي، نحن نقول ان على شرفاء الشعب العراقي إسكات هذه الأبواق التي قتلت الروح وحرقت كل أوراق التاريخ العراقي ووصلت الوقاحة بهؤلاء إلى الاعتداء على جغرافيا العراق، فها هم يتكلمون عن الشمال والوسط والجنوب ولا ادري اذا كان العراق هو وحده الدولة التي يتألف نسيجها الاجتماعي من شيعة وسنّة وغيرها، فعلى سبيل المثال في البحرين شيعة وسنّة وفي الكويت كذلك وغيرهما من الدول ولا أحد يعطي الموضوع أي اهتمام، فلماذا تتعالى أصوات الطائفية في العراق هذه الأيام ومن يغذيها؟ أمضيت في العراق خمس سنوات لم تكن خلالها قضية شيعي وسني وكردي تطفو على السطح ولم اسمع بها إلا بعدما وطأت أقدام الأميركيين ارض الرافدين.

الذكرى الثالثة لسقوط العمق والتاريخ والجغرافيا العربية تذكرني بكلمه للرئيس بوش حين قال من على ظهر حاملة طائرات أميركية في الأول من أيار (مايو) عام 2003، لقد انتهت الحرب والنصر تحقق وسقط الطاغية (صدام حسين) ولكن ما هي الاستراتيجية التي تسميها سيدي الرئيس إستراتيجية النصر في العراق؟ فلا الحرب انتهت ولا النصر تحقق والطاغية يصارع القضاة وأتباعه يقاتلون في كل العراق ويكفي خداعًا لنفسك ولشعبك، قل للجموع الغفيرة التي تملأ قلب الحياة الأميركية منددة بالحرب وداعية الى وقفها، قل لهم حقيقة ما يجري وأخبرهم أن أعداء أميركا أكثر من الحصى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت