مع الآية الكريمة ثم أورثنا الكتاب الذين
"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات عدن يدخلونها يحلّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ( 34) " [ سورة فاطر ] ...
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي ... ...
نجد في كتب التفسير اختلافًا غير قليل في فهم هذه الآيات الكريمة وأكثر ما دار حوله الخلاف مفهوم الكلمات التالية:"ثمّ أورثنا الكتاب"،"الذين اصطفينا من عبادنا"، والضمير في كلمة"منهم"، وفي كلمة"يدخلونها"، وكذلك في مفهوم الأصناف الثلاثة:"ظالم لنفسه"،"مقتصد"،"سابق بالخيرات". وفي الحقيقة فإن هذه الكلمات هي مفاتيح فهم هذه الآيات .
يذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث التي فيها ضعف أو غرابة ، ومع ذلك فهو يقول:"يشدُّ بعضها بعضًا". ويورد الأحاديث أو الأقوال الموقوفة على بعض الصحابة للآراء المختلفة . فتأخذ نماذج من ذلك:
فعن عوف بن مالك رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: أمتي ثلاثة أثلاث ، فثلث يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب ، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة ، وثلث يمحَّصون ويكشفون ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون لا إله إلا الله وحده . ويقول الله تعالى: صدقوا ، لا إله إلا أنا ! أدخلوهم الجنّة بقولهم لا إله إلا الله وحده واحملوا خطاياهم على أهل النار ...". وقال عنه غريب جدًا . ويروي هذا الحديث الطبريُّ في تفسيره أثرًا عن ابن مسعود . ويذكر آثارًا موقوفة على ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الأصناف الثلاثة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كلهم مغفور لهم . ويذكر أيضًا عن ابن عباس أثرًا آخر يقول فيه:"فمنهم ظالم لنفسه هو كافر". ويروي الرأي نفسه عن عكرمة وغيره . وعن مجاهد أنه قال:"فمنهم ظالم لنفسه هم أهل المشأمة . وعن ابن عباس وقتادة والحسن:"وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها . وعند الإمام أحمد عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلًا من ثقيف يحدّث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية:"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة في الجنّة"! وقال عنه حديث غريب . وعند الطبري هذا أثر موقوف على كعب ومحمد بن الحنفية وأبي إسحق السبيعي ."
ويورد الطبري الأثر الموقوف على ابن عباس بأن الأصناف الثلاثة هم من أمة محمد وهم مغفور لهم . ويورد في قول آخر: أن الظالم لنفسه هو المنافق وهو في النار ، والصنفان الآخران في الجنة . ويروي ذلك أيضًا عن قتادة والحسن وغيرهما . وروى أن قتادة قال:"كان الناس ثلاثة منازل في الدنيا ، وثلاثة منازل عند الموت ، وثلاثة منازل في الآخرة . أما في الدنيا: فمؤمن ومنافق ومشرك . وأما عند الموت فكما في آخر سورة الواقعة ، وأما في الآخرة فكانوا أزواجًا ثلاثة كما في أول سورة الواقعة ."
وعند ابن عطية لا يكاد يخرج عن هذه المعاني إلا أنه قال عن"الذين اصطفينا"يريد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . ثم يقول:"وكأنّ اللفظ يحتمل أن يُرادَ به جميع المؤمنين من كل أمّة ."وهذا المعنى هو الذي سنوضحه في دراستنا هذه . ويقول:"إلا أن توريث الكتاب لم يكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكأن الله ورّثها الكتاب الذي كان في الأمم قبلهم ."
ولا تخرج كتب التفسير الأخرى عن ذلك . ولكنَّ هذه الصورة المعروضة في هذه الأراء تضطرب مع شدّة الاختلاف وضعف الأحاديث وتناقض الأثار التي لم ترفع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، مما يوحي أن معظم هذه الآراء ووجهات نظر ذاتيّة لا تحمل الحجة القاطعة الجامعة .
من أجل ذلك نحبّ أن نقف مع هذه الآيات الكريمة لنقدّم تصوّرًا مبنيًّا على ترابط الآيات مع ما سبقها وما تلاها ومع نهج السورة كلها ، ولنبيّن تناسقها مع نهج القرآن الكريم والآيات في سور أخرى ، وقواعد الإيمان والتوحيد .
نعود أولًا إلى سورة فاطر لندرس نهجها وما تطرقه من موضوعات مترابطة ، كانت هذه الآيات موضوعًا من موضوعاتها متناسقة معها .
فالسورة تتحدث أولًا عن فضل الله على الناس جميعًا ، مما يوفّر لهم السبيل ليؤمنوا ولا يكذّبوا الرسل ولا يتبعوا الشيطان . وتُبْرِزُ السورة كذلك بعض آيات الله في الكون مبثوثة للناس كافّة ، ويتكرر الخطاب إلى"الناس"في أكثر من موقع ، نأخذ مثلًا منها:
"يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيُّ الحميد . إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز ." [ فاطر: 15ـ17 ]
ثمّ تعرض السورة امتداد رسالة الله إلى عباده على مرّ القرون ، دينًا واحدًا ، تختم رسالاته بالنبيّ الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم: